ضغوط أمريكية على أوكرانيا: صفقة معادن نادرة مقابل دعم مالي وعسكري
تُمارس الولايات المتحدة العديد من الضغوط لإجبار كييف على الموافقة على صفقة تتيح لها الوصول إلى معادن أوكرانيا النادرة، كشرط لاستمرار الدعم المالي الأمريكي المقدم في إطار الحرب ضد روسيا، كما هدَّدت بعزل أوكرانيا عن نظام الإنترنت عبر الأقمار الصناعية ستارلينك التابع للملياردير إيلون ماسك، الذي يعد نظامًا حيوياً مهمًا بالنسبة للبلاد في ظل الحرب الجارية.
وسبق أن طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كييف بعقد صفقة تجارة للحصول 500 مليار دولار من الثروة المعدنية من أوكرانيا مقابل الدعم المالي لأوكرانيا في الحرب.
أوكرانيا.. كنز أوروبا من المعادن النادرة
تعد أوكرانيا من الدول الغنية بالموارد المعدنية؛ حيث تُقدر ثروتها من المعادن والنفط والفحم بنحو 26 تريليون دولار، أي ما يعادل 5% من إجمالي الموارد المعدنية في العالم، مما يضعها بين أكبر 10 موردين عالميين لهذه الموارد.
كما تحتوي البلاد على ما يقرب من 20 ألف موقع للاحتياطيات المعدنية تغطي 116 نوعًا مختلفًا، وكان الإنتاج قبل اندلاع الحرب يتمّ في 3055 من هذه المواقع، بما في ذلك 147 موقعًا للمعادن الفلزية و4676 موقعًا للمعادن غير الفلزية.
ووفقًا للبيانات الأوكرانية، تمتلك أوكرانيا احتياطيات لـ 22 من أصل 34 معدنًا صنَّفها الاتحاد الأوروبي على أنَّها بالغة الأهمية، وتشمل المعادن الصناعية، ومواد البناء، والسبائك الحديدية، والمعادن النفيسة، والمعادن غير الحديدية، بالإضافة إلى بعض العناصر الأرضية النادرة التي تستخدم في صناعة المغناطيسات الضرورية لتحويل الطاقة إلى حركة في السيارات الكهربائية، والهواتف المحمولة، وأنظمة الصواريخ، والعديد من الأجهزة الإلكترونية الأخرى.
علاوةً على ذلك، تحتفظ أوكرانيا بأكبر احتياطيات من معدن التيتانيوم في أوروبا، وتقدر بحوالي 7% من الاحتياطيات العالمية، ويُستخدم التيتانيوم في صناعات الطيران والفضاء والطب والسيارات والبحرية.
كما تمتلك احتياطيات كبيرة من الليثيوم، تقدر بحوالي 500 ألف طن متري، مما يجعلها من أكبر الاحتياطيات المؤكدة في أوروبا، وهو عنصر أساسي في تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، والأجهزة الإلكترونية، والزجاج، والسيراميك.
بالإضافة إلى ذلك، تحتوي أوكرانيا على معادن استراتيجية أخرى؛ مثل البريليوم، والمنغنيز، والغاليوم، والزركونيوم، والغرافيت، والأباتيت، والفلوريت، والنيكل، واليورانيوم، والتي يتم استخدامها في مجموعة واسعة من الصناعات الحيوية، بما في ذلك الصناعات الدفاعية، والأجهزة التقنية المتقدمة، وقطاع الفضاء، وتقنيات الطاقة الخضراء.
اقرأ تفاصيل الخبر: ترامب يعرض على أوكرانيا الحماية مقابل نصف ثرواتها من المعادن
شروط الصفقة.. 50% من إيرادات التعدين للشركات الأمريكية
من جانبها، صرَّحت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، بأنَّ المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وأوكرانيا بشأن استغلال المعادن الأرضية النادرة تعكس الأهمية الاستراتيجية لهذه الموارد في تشكيل التوازنات الاقتصادية العالمية، وأنَّ معادن، مثل التيتانيوم والليثيوم، تلعب دورًا دحاسمًا في الصناعات المتقدمة، بما في ذلك التكنولوجيا الدفاعية والطاقة النظيفة.
كما أكَّدت خضر أنَّ أوكرانيا تمتلك أحد أكبر الاحتياطيات العالمية من المعادن النادرة التي تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات. وأضافت: “هذه الثروات ليست فقط مصدر دخل محتمل لأوكرانيا، لكنَّها أيضًا عنصر رئيس في المنافسة الاقتصادية بين القوى الكبرى، حيث تخطط الولايات المتحدة إلى تقليل اعتمادها على الصين في هذا المجال”.
وحول الاتفاق المقترح، أشارت الدكتورة خضر إلى أنَّ “المسودة الأولية التي أرسلتها الولايات المتحدة إلى الرئيس زيلينسكي تشمل اقتراحًا يمنح الشركات الأمريكية حقّ الاستحواذ على 50% من إيرادات قطاع التعدين في أوكرانيا، وهو ما أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الأوكرانية”.
مليارات روسيا.. هدية من الغرب لأوكرانيا
هل تفقد أوكرانيا السيطرة على مواردها؟
أشارت الخبيرة الاقتصادية إلى أنّ “وضع الاتفاق تحت اختصاص القانون الأمريكي يُثير تساؤلات قانونية حول سيادة أوكرانيا على مواردها الطبيعية، وهو ما يتطلب دراسة معمقة لتداعيات هذه الشروط على المدى البعيد”.
وأوضحت خضر أنَّ “الاستثمارات الأمريكية في قطاع التعدين الأوكراني يمكن أن تُسهم في تطوير البنية التحتية وتعزيز القدرة على معالجة المعادن محليًا بدلًا من تصديرها كمواد خام، إلا أنَّ نسبة الـ50% من الإيرادات التي ستذهب إلى الشركات الأمريكية قد تقلل من استفادة كييف من هذه الموارد”.
وشدّدت على أنّ “التوازن بين جذب الاستثمارات والحفاظ على العوائد المحلية يمثل تحديًا كبيرًا، حيث يجب أن تحرص الحكومة الأوكرانية على ضمان تحقيق أكبر فائدة اقتصادية دون التفريط في سيادتها على الموارد”.
البعد العسكري للاتفاق
أشارت خضر إلى أنَّ “المفاوضات لا تتعلَّق فقط بالجوانب الاقتصادية، بل تمتدُّ أيضًا إلى الجوانب العسكرية، حيث تعتمد أوكرانيا على الدعم الأمريكي لمواجهة التهديدات الروسية”، مضيفةً أنّ “رفض زيلينسكي للمسودة الأولية كان بسبب غياب ضمانات أمنية واضحة، ما يعني أنَّ كييف تهدف لربط أيّ اتفاق اقتصادي بضمانات عسكرية طويلة الأمد”.
وحذرت خضر من أن “فشل المفاوضات قد يؤدي إلى صعوبات في جذب الاستثمارات الأجنبية الضرورية لإعادة بناء قطاع التعدين، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد الأوكراني، وقالت إنّ “تعثر الصفقة قد يؤثر على العلاقات مع الولايات المتحدة، وهو ما قد ينعكس على الدعم المالي والعسكري الذي تعتمد عليه أوكرانيا”.
وختمت الخبيرة الاقتصادية حديثها بالقول: “على أوكرانيا أن تُخطط لتحقيق توازن دقيق بين تأمين الاستثمارات اللازمة لإعادة الإعمار، والحفاظ على سيادتها على مواردها الطبيعية، لضمان مستقبل اقتصادي أكثر استقرارًا”.
اطّلع ميزانية أوكرانيا 2025: تخصيص 61% للدفاع وسط عجز مالي كبير