تعتبر مجموعة البريكس، التي تضم كلًا من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، واحدة من أهم التحالفات الاقتصادية في العالم، ومنذ تأسيسها في عام 2009، سعت إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين الدول الأعضاء بهدف تشكيل نظام اقتصادي عالمي أكثر توازناً، بعيداً عن هيمنة الدول الغربية والمؤسسات المالية التقليدية. ومع مرور الوقت، ازدادت أهمية البريكس على الساحة الدولية، مما يطرح تساؤلات حول مستقبلها وآفاق تطورها في العقود القادمة.
وفي السنوات الأخيرة، أبدت عدة دول اهتمامها بالانضمام إلى مجموعة البريكس، مثل الأرجنتين والمملكة العربية السعودية وإيران، وإذا نجحت المجموعة في توسيع عضويتها، فقد تزداد قوتها الاقتصادية والسياسية وتتعزز قدرتها على تحدي النظام العالمي القائم، كما أنّ انضمام دول جديدة ذات اقتصادات نامية كبيرة إلى المجموعة قد يؤدي إلى زيادة إجمالي الناتج المحلي للمجموعة وتوسيع سوقها الاستهلاكية، مما سيسهم في تعزيز نفوذها على الساحة العالمية.
ويقول الدكتور مازن إرشيد، الباحث الاقتصادي، إن الأهداف الرئيسة لمجموعة البريكس تتمثل في تعزيز النمو الاقتصادي والتجارة بين الدول الأعضاء، ودعم التنمية المستدامة، وتوسيع النفوذ السياسي على الساحة الدولية، بالإضافة إلى إنشاء نظام مالي بديل يقلل من الاعتماد على الدولار الأمريكي والمؤسسات المالية الغربية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
دور العملات البديلة ونظام المدفوعات
أضاف إرشيد أن مجموعة البريكس تعمل على تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة بين أعضائها، كخطوة لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، كما أنّها تدرس إمكانية إنشاء عملة رقمية مشتركة تُستخدم لتسوية المعاملات المالية بين الدول الأعضاء، وفي حال تم تنفيذ هذه الخطط بنجاح، فقد يؤدي ذلك إلى إحداث تغيرات جذرية في النظام المالي العالمي، وتعزيز مكانة البريكس كلاعب رئيس فيه.
ولفت الخبير إلى أن الابتكار التكنولوجي والتعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا يمثلان ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة في دول البريكس، كما يمكن للدول الأعضاء العمل على تطوير صناعات متقدمة في مجالات مثل الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، مما سيعزز من تنافسيتها على الساحة الدولية، ويُسهم في خلق فرص عمل جديدة وزيادة الإنتاجية.
اقرأ أيضًا: بريكس تفتح أبوابها أمام أعضاء جدد لمواجهة الهيمنة الغربية
تأثير البريكس على النظام السياسي العالمي
مع تزايد نفوذ مجموعة البريكس، قد نشهد تحولاً في النظام السياسي العالمي نحو التعددية، بأن تبرز قوى جديدة إلى جانب القوى التقليدية الغربية، حيث يُمكن للبريكس أن تلعب دوراً مهماً في حل النزاعات الدولية وتعزيز التعاون بين الدول النامية، مما سيعزز من قدرتها على تحقيق التوازن في العلاقات الدولية.
وأشار إرشيد إلى التحديات التي تواجه البريكس؛ منها اختلاف الأولويات السياسية والاقتصادية بين الدول الأعضاء، وتباين مستويات التنمية والنمو الاقتصادي. على سبيل المثال، تختلف احتياجات الهند الاقتصادية بشكل كبير عن احتياجات الصين، كما أن روسيا تواجه تحديات خاصة تتعلق بالعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وهذه الاختلافات تجعل من الصعب على المجموعة وضع سياسات موحدة وفعالة لجميع أعضائها.
واختتم الخبير مؤكدًا أن مستقبل مجموعة البريكس مرتبط بقدرتها على تجاوز التحديات الداخلية، وتعزيز التعاون بين أعضائها؛ فإذا تمكنت من توسيع عضويتها، وتقليل الاعتماد على الأنظمة المالية الغربية، وتعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والتنمية المستدامة، قد تصبح أحد أهم التحالفات الاقتصادية والسياسية في القرن الواحد والعشرين. ومع ذلك، سيظل التحدي الأكبر أمام المجموعة هو تحقيق التوازن بين مصالح أعضائها المتنوعة، والاستفادة من إمكاناتها الكبيرة لتحقيق أهدافها المشتركة.
بريكس قوة اقتصادية صاعدة
ترى الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، أن مجموعة “بريكس” اجتازت مرحلة جديدة وأصبحت تتشكل كقوة اقتصادية تدفع عجلة النمو العالمي والتجارة والاستثمار، فضلًا عن أنها ستلعب دورًا منافسًا للمؤسسات الاقتصادية الدولية التقليدية في المستقبل القريب؛ حيث تأتي هذه التطورات في وقت يتبلور فيه النظام الاقتصادي العالمي باتجاه التكتلات الاقتصادية الكبرى، والتي من المتوقع أن تهيمن على حركة العلاقات الاقتصادية الدولية وتوجهاتها.
وقد أوضحت الشافعي أنّ مجموعة “بريكس” تسعى إلى تعزيز مكانتها على الساحة الدولية من خلال توسيع قاعدة عضويتها، إذ إنّها تخطط لضمّ دول جديدة تشمل مصر، والسعودية، والإمارات، وإيران، وإثيوبيا، ما يفتح الباب أمام مجموعة من المتغيرات التي من شأنها تعزيز مكانة “بريكس” كقوة اقتصادية وسياسية، وترسيخها على مستوى العالم، فانضمام هذه الدول يُعد خطوة استراتيجية تزيد من ثقل المجموعة الاقتصادي والسياسي، مما يتيح لها فرصة أكبر للتأثير على النظام العالمي الحالي.
المزايا التنافسية لمجموعة “بريكس”
ووفقًا لرؤية الشافعي، تمتلك المجموعة العديد من المزايا التي تؤهلها للعب دور محوري في التحولات الاقتصادية العالمية المقبلة، حيث يتميز اقتصاد الدول الأعضاء بتنوعه؛ فالبرازيل مثلًا تعتمد على اقتصاد زراعي قوي، في حين تعدّ روسيا لاعبًا رئيسًا في مجال الطاقة بفضل احتياطاتها الهائلة من النفط والغاز، أما بالنسبة للهند فهي تشهد نموًا اقتصاديًا سريعًا نتيجة لطبقتها المتوسطة الكبيرة والمتزايدة، والتي تعزز الطلب المحلي.
فضلًا عن ذلك، تمثل الصين قوة اقتصادية وصناعية عالمية تتمتع بنفوذ هائل في سلاسل الإمداد والتوريد الدولية، في الوقت الذي تلعب فيه جنوب إفريقيا دورًا رئيسًا في صناعة التعدين، مما يضفي بعدًا استراتيجيًا على المجموعة من حيث الموارد الطبيعية.
هذا التنوع الاقتصادي بين أعضاء المجموعة يمنح “بريكس” ميزة تنافسية قوية، فهي بهذا الشكل قادرة على الجمع بين القدرات الصناعية والزراعية والطاقة والمعادن، كما يُمكن لهذه المزايا أن تتيح للمجموعة منافسة التكتلات الاقتصادية الكبرى الأخرى مثل مجموعة السبع، وربما تتجاوزها في المستقبل إذا استمرت في تعزيز التعاون الاقتصادي وتوسيع قاعدة الأعضاء.
اقرأ أيضًا: هل تُشكل دول “بريكس” تحالفا دوليا لإنتاج الحبوب؟
الأهداف الاستراتيجية للمجموعة
لفتت الشافعي إلى أن “بريكس” تستهدف تغيير بعض القواعد في النظام الاقتصادي الدولي الحالي، وذلك من خلال إنشاء مؤسسات بديلة تُقلل من الاعتماد على الدولار الأمريكي، وتعزز استخدام العملات المحلية في التجارة بين الدول الأعضاء. كما تعمل المجموعة على تأسيس شبكة مالية مستقلة تستطيع من خلالها تمويل مشاريع تنموية دون الحاجة إلى المؤسسات المالية التقليدية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
علاوةً على ذلك، يُمكن لتوسيع العضوية وتطوير المؤسسات المالية البديلة أن يسمح بتشكيل قاعدة صلبة لإنشاء تكتل اقتصادي عالمي جديد يتحدى الهيمنة الاقتصادية الغربية، في إطار توجه قد يؤدي إلى إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، ليصبح أكثر تعددية ويتيح لدول “بريكس” والدول النامية بشكل عام دورًا أكبر في صناعة القرار الدولي.
اقرأ أيضًا: البريكس..قوة صاعدة تهدد مكانة الدولار
تفوق محتمل على مجموعة السبع
إذا نجحت “بريكس” في توسيع عضويتها وتطوير استراتيجياتها الاقتصادية والسياسية، فقد تصبح أكبر من مجموعة السبع من حيث التأثير العالمي، لا سيما أنها تمتلك قوة سكانية ضخمة واقتصادات متنامية تتيح لها التفوق على التكتلات الاقتصادية الغربية التقليدية، سواء من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي أو النفوذ السياسي والاقتصادي، مما يعزز إمكانية تغيير مسارات التجارة الدولية وقواعد التمويل، ويفتح الباب أمام نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وتقول الدكتورة منال العشري، أستاذ الاقتصاد، إن مجموعة “بريكس” تشهد تحولًا نوعيًا نحو لعب دور أكبر على الساحة الدولية من خلال تعزيز التكتل الاقتصادي وتوسيع العضوية، وإذا تمكنت من تحقيق أهدافها الاستراتيجية وتجاوز التحديات التي تواجهها، فمن المتوقع أن تصبح أحد أهم الفاعلين في إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، الأمر الذي سيُمكّنها من التفوق على التكتلات الاقتصادية التقليدية مثل مجموعة السبع، مع إمكانية تحقيق تأثيرات جوهرية على النظام الدولي الحالي.
ومن الجدير بالذكر أنّ دول بريكس تمثل نحو 40% من سكان العالم و25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مما يجعلها تكتلاً ذا ثقل كبير في الساحة الاقتصادية، حيث إنّ الصين والهند تُعَدّان من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، بينما تعتبر روسيا والبرازيل من الدول الرئيسة في إنتاج الموارد الطبيعية، مثل النفط والمعادن، وهذا التنوّع في القدرات الاقتصادية يعطي مجموعة بريكس القدرة على التأثير في مختلف جوانب الاقتصاد العالمي، من الزراعة والصناعة إلى التكنولوجيا والتمويل.
تعزيز النفوذ المالي
في إطار الحديث عن النفوذ المالي العالمي، أشارت العشري إلى أنّ مجموعة بريكس قامت بإنشاء بنك التنمية الجديد بهدف تمويل مشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة في الدول الأعضاء والدول النامية، وهو يمثل تحدياً للنظام المالي الدولي التقليدي الذي تقوده المؤسسات الغربية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
وترى أستاذ الاقتصاد، أنه على الرغم من الإمكانيات الكبيرة التي تمتلكها دول بريكس، إلا أن التكتل يواجه تحديات تعيق فرض سيطرته على الاقتصاد العالمي، فالاختلافات الكبيرة في الأنظمة السياسية والاقتصادية بين الدول الأعضاء تؤدي أحياناً إلى صعوبة في توحيد السياسات الاقتصادية، لا سيما أن بعض الدول، مثل جنوب إفريقيا والبرازيل، تواجه تحديات اقتصادية داخلية تؤثر على قدرتها على المساهمة الفعالة في المجموعة.
وأشارت العشري، إلى أن دول بريكس تسعى لتعزيز نفوذها في الشؤون السياسية الدولية، فالصين وروسيا تلعبان دوراً رئيساً في تحدي الهيمنة الغربية على المؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ومع ذلك، يظل تأثير المجموعة على النظام السياسي العالمي محدوداً، حيث تهيمن دول الغرب على صنع القرار العالمي بشكل كبير.
واختتمت الخبيرة حديثها قائلة: “لا يمكن القول إن مجموعة بريكس تسيطر على الاقتصاد العالمي، لكنها بلا شك تلعب دوراً متزايد الأهمية في تشكيل النظام الاقتصادي الدولي”، وهذا يعني أنّها إذا تمكنت من تجاوز التحديات والتنسيق بشكل أكثر فعالية، فقد تكون قادرة على تحدي الهيمنة الاقتصادية الغربية بشكل أكبر في المستقبل. ومع ذلك، فإن السيطرة التامة على الاقتصاد العالمي تتطلب توافقاً سياسياً واقتصادياً أعمق مما هو عليه الحال حالياً.