تقرير: باسل محمود
في الولايات الأمريكية، مثل فلوريدا، التي باتت في مرمى الكوارث الطبيعية نتيجة لتغير المناخ، يواجه السكان معضلة متزايدة، وهي هل يصبح شراء منزل استثماراً غير مضمون، وسط تصاعد التكاليف والمخاطر؟ أم أن الاستئجار قد يكون الخيار الأكثر أمانًا؟ بينما تتزايد الكوارث الطبيعية وشدتها، بات السؤال المتعلق بالشراء مقابل الاستئجار يُطرح على أكثر من أي وقت مضى.
المنازل في زمن الكوارث
في وقت تتصاعد فيه المخاطر المناخية، يجد مالكو المنازل في ولايات، مثل فلوريدا وتكساس، أنفسهم أمام عقبة مالية ضخمة، تتمثل في ارتفاع أقساط التأمين، بحسب تقرير لـ”بيزنيس انسايدر”. فقد شهدت هذه الأقساط زيادة هائلة بنسبة 33% بين عامي 2020 و2023، وذلك بسبب الكوارث التي تزداد قوة عامًا بعد عام.
هذه القفزة في التكاليف، لم تترك أثرًا فقط على مالكي المنازل، بل قد تمتد لتطال المستأجرين أيضًا؛ حيث تواجه العقارات المؤجرة بدورها ارتفاعًا في تكاليف التأمين، مما ينذر بارتفاع في الإيجارات مستقبلاً، لكن رغم هذه التكاليف لا يزال امتلاك المنازل إحدى الركائز الأساسية لبناء الثروة في أمريكا، وفقًا لما أشار إليه جونغ هيون تشوي، الباحث في مركز سياسات تمويل الإسكان لدى “معهد أوربان”.
يمتاز مالكو المنازل بتثبيت تكاليف الإسكان عبر الرهن العقاري لمدة 30 عامًا، وهو الخيار الأكثر شيوعًا في الولايات المتحدة. وفي المقابل، يواجه المستأجرون زيادات سنوية غير متوقعة في الأسعار، مما يجعلهم أكثر عرضة للتقلبات بعد الكوارث.
أعباء ثقيلة على المشترين والمستأجرين
إلى جانب تزايد أقساط التأمين، شهدت أسعار المنازل ارتفاعًا نتيجة تزايد الطلب وضعف العرض، في المناطق المعرّضة للمخاطر، وبهذا الصدد يقول تشين تشاو، كبير الاقتصاديين في شركة “Redfin”، إن الأسواق العقارية في ولايات مثل فلوريدا وتكساس، تشهد تراجعًا واضحًا بسبب زيادة حدة العواصف والمخاطر المناخية الأخرى.
إنّ الأمر الذي يزيد الأمور تعقيدًا هو أن المناطق التي تقترب من حدود فلوريدا وجورجيا، رغم تشابه المخاطر المناخية فيها، شهدت تفاوتًا كبيرًا في ارتفاع أقساط التأمين، فقد ارتفعت هذه الأقساط بنحو 1000 دولار سنويًا في فلوريدا، مقارنةً بزيادة أقل من 500 دولار في جورجيا.
إضافةً إلى ذلك، فإن المستأجرين لا ينجون من هذه التكاليف تمامًا؛ إذ يمكن أن تتأثر الإيجارات بارتفاع تكاليف التأمين على العقارات المؤجرة، مما قد يؤدي إلى زيادة في الإيجارات في المستقبل، لا سيّما بعد وقوع الكوارث.
اقرأ أيضًا: زلزال عنيف يهز اليابان.. وتحذيرات من تسونامي
الاختلاف في الدعم والسياسات
أحد العوامل الحاسمة التي تجعل امتلاك المنازل خياراً أكثر استدامة، هو الدعم السياسي المقدم لمالكي المنازل في الولايات المتحدة، ففي أعقاب الكوارث الطبيعية مثل إعصار “كاترينا” الذي ضرب ولاية لويزيانا، تلقى مالكو المنازل نسبة أكبر بكثير من الدعم الحكومي مقارنةً بالمستأجرين.
وفقًا لإحدى الدراسات، تلقى 62% من المنازل المتضررة، مساعدات للتعافي من الكارثة مقارنةً بـ18% فقط من الوحدات السكنية المؤجرة، الأمر الذي يسلط الضوء على الفجوة الكبيرة في سياسات التعافي بين الفئتين، وعلى الرغم من ذلك، يمتلك المستأجرون ميزةً أخرى؛ وهي المرونة في التحرك والانتقال عند وقوع الكوارث، مما يجعلهم أقل ارتباطًا بالخسائر المالية الكبرى مقارنةً بمالكي المنازل.
يقول تشين تشاو: “بالنسبة للمستأجرين، لا يمتلكون المخاطر المالية المرتبطة بامتلاك عقار في ولاية مثل فلوريدا عند وقوع إعصار، لكنهم يواجهون المخاطر الشخصية المتمثلة في فقدان الاستقرار السكني والممتلكات الشخصية”.
حلول الإسكان في مواجهة الكوارث
في ظل استمرار تصاعد المخاطر المناخية، تعتمد الحلول المستقبلية للسوق العقارية على السياسات العامة التي سيتم وضعها في السنوات المقبلة إلى حدٍ بعي، وتشير تشوي إلى أن غياب الوضوح في هذه السياسات قد يجعل الاستئجار الخيار الأفضل في مناطق الكوارث، فالأمر لا يتعلق فقط بالمخاطر المالية، بل بالقلق من الأضرار الكبيرة التي قد تلحق بالمنازل في حالة وقوع الكوارث أيضًا.
ورغم أنّ السياسات الحالية تبدو في صالح مالكي المنازل، إلا أن هناك فرصة لتعديل السياسات بما يخدم المستأجرين، لا سيما بعد التجارب التي أظهرت أن التمويل الفيدرالي المخصص للمستأجرين، قد يحد من ارتفاع الإيجارات بعد الكوارث.
أظهرت دراسة أن المناطق التي استفادت من التمويل الفيدرالي عقب إعصار “كاترينا” شهدت ارتفاعًا أقل في الإيجارات مقارنة بالمناطق الأخرى، وهو ما يشير إلى إمكانية تطوير سياسات جديدة لحماية المستأجرين.
معضلةً معقدة
تظل مسألة الاستئجار أو الشراء في الولايات المعرضة للكوارث الطبيعية معضلةً معقدة، حيث يتوجب على السكان تقييم المخاطر المالية والشخصية بعناية، في ظل غياب الوضوح التام حول السياسات المستقبلية.
ومع تزايد المخاطر المناخية، قد يصبح الاستئجار الخيار الأكثر أمانًا للبعض، لأنّ امتلاك المنزل يظلّ استثمارًا هامًا لبناء الثروة، لكن كما يشير الخبراء، فإن السنوات المقبلة ستكون حاسمة لتحديد ما إذا كانت الأسواق العقارية ستتكيف مع هذه التحديات المتزايدة أم لا.