هل تفتح مهمة جينيسيس عصرًا جديدًا لهيمنة أمريكا في الذكاء الاصطناعي؟

في خطوة تحمل ملامح سباق علمي جديد وتكشف عن حجم التحولات الجارية في مراكز القوة العالمية، أعلنت الولايات المتحدة إطلاق “مهمة جينيسيس”، أكبر مشروع بحثي فيدرالي منذ برنامج “أبولو”. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد أعلن، يوم الاثنين، إصدار أمر تنفيذي واسع النطاق، تحت اسم “مهمة جينيسيس”، تقوده وزارة الطاقة الأمريكية بهدف إحداث تحول جوهري في قدرات الولايات المتحدة بمجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والبحث العلمي.

ووصفت الإدارة هذه المبادرة بأنها أكبر تعبئة للموارد العلمية الفيدرالية منذ برنامج أبولو الفضائي، مع ربط مباشر بينها وبين خفض تكاليف الطاقة، وتعزيز التنافسية التكنولوجية، وتحصين الأمن القومي في ظل سباق عالمي محتدم على التقنيات المتقدمة.

وترى الإدارة الأمريكية أن مهمة جينيسيس تمثل حجر الأساس لمرحلة جديدة من الابتكار الوطني، تعتمد على دور محوري للقطاع الخاص وتوسيع القدرات العلمية للدولة، دون فرض قيود تنظيمية تعطل النمو.

وتأتي المبادرة امتدادًا للأوامر التنفيذية السابقة ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها مبادرة إزالة الحواجز أمام الريادة الأمركية في الذكاء الاصطناعي، وخطة عمل الذكاء الاصطناعي الأمريكية، وتهدف إلى مضاعفة الإنتاجية العلمية والهندسية خلال عقد واحد، وتحقيق اختراقات تضمن استمرار التفوق الأمريكي في الطاقة المتقدمة والاكتشافات العلمية والأنظمة الحيوية.

وفي معرض شرحه لملامح المبادرة، قال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إن الولايات المتحدة تعود إلى نهجها التاريخي في استنفار ألمع العقول وأقوى الصناعات، كما جرى في مشروع مانهاتن وبرنامج أبولو، مشيراً إلى أن مهمة جينيسيس ستطلق الإمكانات الكاملة للمختبرات الوطنية والحواسيب العملاقة وموارد البيانات العلمية، بما يضمن بقاء البلاد في موقع الريادة العالمية ويفتح عصرًا ذهبيًا جديدًا للاكتشاف الأمريكي.

ما هي مهمة جينيسيس وما الذي تهدف إليه؟

تشرف وزارة الطاقة الأمريكية، عبر مختبراتها الوطنية السبعة عشر، على تنفيذ المبادرة بهدف بناء أقوى منصة علمية متكاملة في العالم، مخصصة لتسريع الاكتشافات العلمية وتعزيز الأمن القومي وإطلاق موجة جديدة من الابتكار في قطاع الطاقة. وتعتمد المنصة على خبرة نحو 40 ألف عالم ومهندس وموظف تقني، إضافة إلى تعاون وثيق مع الشركات التكنولوجية الكبرى.

وتقوم المنصة على دمج قدرات الحوسبة العملاقة وأنظمة الذكاء الاصطناعي والتقنيات الكمومية ومعدات المختبرات المتقدمة في منظومة واحدة، تستند إلى بيانات حكومية علمية آمنة ومتخصصة، على خلاف النماذج التجارية المدربة على بيانات الإنترنت المفتوحة، ومن المنتظر أن تسهم هذه المنظومة في رفع دقة الأبحاث وتحسين موثوقية نتائجها على نحو غير مسبوق.

وتركز مهمة جينيسيس على تطوير منصة ذكاء اصطناعي علمية متكاملة، تمكن العلماء من تنفيذ أبحاث معقدة وإجراء محاكاة علمية فيزيائية وهندسية وبيولوجية بسرعة فائقة، وتشير الوثائق الرسمية إلى أن دمج هذه الإمكانات سيُحدث تحولًا في أسلوب تنفيذ الأبحاث، سواء في اكتشاف مواد جديدة، أو حل معادلات فيزيائية معقدة، أو صياغة حلول في قطاعات الطب والطاقة والدفاع خلال فترات زمنية قصيرة.

اقرأ أيضًا: كيف يغير الذكاء الاصطناعي أساليب التسويق الحديثة؟

أهداف مهمة جينيسيس

تضع الإدارة الأمريكية ثلاثة أهداف استراتيجية رئيسية لعمل مهمة جينيسيس:

أولاً: تعزيز الهيمنة الأمريكية في قطاع الطاقة عبر تسريع تطوير التقنيات النووية والاندماج النووي، وتحديث شبكة الكهرباء باستخدام أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على إدارة الأحمال وتقليل الفاقد، ما يضمن طاقة موثوقة وسهلة التكلفة للمواطنين.

ثانيًا: دفع الاكتشاف العلمي إلى آفاق جديدة من خلال تأسيس نظام بيئي كمومي متكامل يدعم الابتكارات والصناعات المتقدمة، ويضمن للأمريكيين بنية بحثية تضاهي أو تتجاوز منافسيهم الدوليين.

ثالثًا: دعم الأمن القومي عبر تطوير تقنيات ذكاء اصطناعي مخصصة للمهام الأمنية، وضمان سلامة وموثوقية المخزون النووي الأمريكي، وتسريع تطوير المواد الدفاعية المتقدمة.

تحولات كبرى في الأبحاث العلمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي

أكد براندون ويليامز، مدير الإدارة الوطنية للأمن النووي، أن المهمة ستمثل فصلًا جديدًا في تاريخ القيادة العلمية والأمنية الأمريكية، كما أوضح الدكتور جون واغنر، رئيس مجلس مديري المختبرات الوطنية، أن المبادرة ستمنح العلماء الأدوات اللازمة لمواكبة سرعة الابتكار اليوم.

ورغم أنَّ تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يتطلب مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، يرى وزير الطاقة كريس رايت أن الذكاء الاصطناعي جزء أساسي من الحل، وأوضح أن تقنياته في إدارة الشبكات الكهربائية بذكاء أكبر ستقلل الهدر وترفع كفاءة توزيع الأحمال، ما ينعكس على خفض فواتير الاستهلاك ويحد من الزيادات السعرية التي تشكل عبئًا على المواطنين

تتوقع الإدارة الأمريكية أن تُحدث مهمة جينيسيس تحولًا جذريًا في سرعة الاكتشاف العلمي. وفي هذا السياق، أوضح مايكل كراتسيوس، رئيس مكتب البيت الأبيض لسياسة العلوم والتكنولوجيا، أن الذكاء الاصطناعي سيعمل على أتمتة التجارب وتصميمها وتسريع المحاكاة، بما قد يحول عمليات بحث كانت تستغرق سنوات إلى ساعات معدودة. وتشمل القدرات المنتظرة نماذج تنبؤية معقدة في طي البروتينات وديناميكيات بلازما الاندماج النووي وغيرها.

وأشارت الإدارة الأمريكية إلى أن المشروع سيؤدي إلى توسع كبير في الشراكات العلمية، حيث أعلنت بالفعل عن تعاونات مع شركات كبرى مثل إنفيديا وديل لضمان بناء بنية حاسوبية متطورة تمكن من تشغيل المنصة بكامل طاقتها، وإتاحة نتائجها للنظام العلمي الأمريكي بأكمله.

المنافسة العالمية: هل تمنح المهمة أمريكا تفوقًا جديدًا؟

في قراءة تحليلية للمبادرة، أكد الدكتور أحمد حنفي، الخبير في الذكاء الاصطناعي وتحليل النظم الرقمية، أن مهمة جينيسيس، تمثل أكبر تعبئة علمية اتحادية منذ برنامج أبولو، وأن الولايات المتحدة تتجه من خلالها نحو مرحلة جديدة من دمج قدراتها العلمية والتقنية في إطار قومي موحد يضمن استمرار تفوقها في سباق الذكاء الاصطناعي والطاقة والاكتشاف العلمي.

وأوضح أن المبادرة تعالج واحدة من أعقد المشكلات التي واجهت الباحثين الأمريكيين خلال السنوات الأخيرة، وهي صعوبة الوصول إلى مراكز الحوسبة الضخمة والبيانات المتخصصة، مؤكداً أن دمج هذه القدرات في منصة موحدة سيمنح العلماء قدرة غير مسبوقة على اختبار الفرضيات وتنفيذ التجارب في وقت قياسي.

وأشار حنفي إلى أن إطلاق المبادرة يأتي في لحظة تشهد منافسة محتدمة مع الصين، التي طرحت نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة تنافس نظيراتها الأمريكية، وقال إن واشنطن تدرك أن الحفاظ على التفوق لم يعد مرتبطًا بامتلاك التكنولوجيا وحدها، بل بقدرتها على تنظيمها ضمن منظومة وطنية موحدة تحمي الابتكارات الحساسة من التسرب.

الطابع الأمني للمبادرة

أكَّد حنفي أن الأمر التنفيذي شدد على منع التعاون مع حكومات الصين وروسيا وإيران في مجالات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مشيراً إلى أن تشديد القيود على تصدير معالجات الذكاء الاصطناعي يأتي ضمن محاولة واضحة لحماية التفوق الأمريكي ومنع انتقال التكنولوجيا إلى الخصوم.

واختتم الدكتور أحمد حنفي بالقول إن مهمة جينيسيس ليست مشروعًا تقنيًا فحسب، بل خطوة استراتيجية ستحدد شكل المنافسة الدولية خلال العقود المقبلة، معتبرًا أن نجاحها سيمنح الولايات المتحدة أفضلية واسعة في معركة الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي التي ستصبح “المحور الحقيقي للصراع العالمي القادم” . 

اقرأ أيضًا: كيف تؤثر إجراءات الصين على صناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة