هل تقترب نهاية هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي؟
تقرير: باسل محمود
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يكن هناك منافس جدي للدولار الأمريكي، كعملة احتياطي عالمية، فقد استطاع، مدعومًا بتحالفات سياسية قوية، ومؤسسات اقتصادية عابرة للحدود، وأسواق مالية هي الأكثر سيولة في العالم، أن يفرض نفسه كمرجع في التجارة والتمويل والاستثمار، وحتى كملاذ في أوقات الأزمات.
لكنّ التحولات الجيوسياسية الأخيرة وتصاعد النزعة القومية في السياسة الأمريكية يفتحان الباب أمام سؤال لم يكن مطروحًا بجدية منذ عقود: هل تستمر هيمنة الدولار؟ أم أن العالم بدأ يتهيأ لما بعده؟
كيف أصبح الدولار “ملك العملات”؟
بحسب فاينينشيال تايمز، هيمنة الدولار لم تكن وليدة مصادفة أو أرقام اقتصادية فحسب، بل كانت نتيجة استراتيجية ممنهجة بدأت قبل أكثر من قرن، حيث كان الشخص الذي وضع اللبنات الأولى لهذا المسار هو المصرفي الألماني الأمريكي بول واربورغ، الذي حذّر منذ مطلع القرن العشرين من اعتماد الاقتصاد الأمريكي على الجنيه الإسترليني.
قاد واربورغ حملة لإنشاء بنك مركزي أمريكي يعمل كمُقرض أخير على غرار بنك إنجلترا، مما مهد الطريق لاحقًا لتأسيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وبفضل أدوات مالية مثل “القبول التجاري” بدأ الدولار يشق طريقه تدريجيًا ليحل محل الجنيه الإسترليني في التجارة الدولية خلال عشرينيات القرن الماضي.
لكنَّ الانطلاقة الحقيقية جاءت في عام 1944 مع مؤتمر بريتون وودز، حيث فرض الأمريكي هاري دكستر وايت، مهندس النظام المالي العالمي الجديد، تعديلاً دقيقًا على نص الاتفاق يجعل الدولار، وليس الذهب، هو مركز الجاذبية الجديد للنظام المالي العالمي.
الدولار.. عملة بحماية سياسية وعسكرية
لم يكن اعتماد العالم على الدولار خيارًا ماليًا محضًا، فقد ارتبط بشبكة واسعة من التحالفات والمؤسسات، مثل خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا، وتأسيس الناتو، بالإضافة إلى دعم إنشاء الجماعة الاقتصادية الأوروبية.
هذا التكامل بين النفوذ العسكري والهيمنة المالية جعل الدولار أكثر من مجرد عملة، حيث أصبح رمزًا للثقة والاستقرار، والتحالف مع قوة عظمى تحمي النظام العالمي، لكن اليوم يبدو أن هذه “المعادلة الذهبية” تواجه تهديدات غير مسبوقة.
السلاح المزدوج.. العقوبات المالية
أحد الأسباب التي ساهمت في تعزيز هيمنة الدولار خلال القرن الحادي والعشرين كان استخدامه كـ”سلاح غير دموي” عبر العقوبات الاقتصادية، لكنَّ هذا السلاح بدأ يتحول إلى سيف ذي حدين؛ ففي عام 2000 كان عدد الأشخاص والكيانات الخاضعة للعقوبات الأمريكية لا يتجاوز 900، لكنَّه تجاوز 9400 شخص وكيان بحلول 2021، وارتفع أكثر بعد غزو روسيا لأوكرانيا.
وكلَّما زادت هذه العقوبات اتّجهت المزيد من الدول للبحث عن بدائل، مثل اليوان الصيني واليورو والذهب، أو حتى العملات الرقمية المدعومة حكوميًا.
ترامب والانعزالية الجديدة.. كابوس الدولار؟
الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب أعادت فتح النقاش حول مستقبل الدولار، فسياسات “أمريكا أولًا” التي انتهجها خلال ولايته الأولى، خاصة الانسحاب من الاتفاقيات متعددة الأطراف، وفرض العقوبات دون تنسيق مع الحلفاء، هزّت ثقة العالم في استمرارية القيادة الأمريكية للنظام المالي العالمي.
وفي حال استمر هذا النهج، فإن الدول التي تعتمد على الدولار قد تبدأ فعليًا في تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد عليه، خاصة تلك التي تخشى التعرض لعقوبات أمريكية أحادية، كما حدث مع إيران وروسيا.
ولعلّ تراجع حصة الولايات المتحدة من التجارة العالمية أحد أبرز المؤشرات على تآكل هيمنة الدولار؛ ففي خمسينيات القرن الماضي كانت تمثل 18% من الصادرات العالمية، أما اليوم فلا تتجاوز 11%.
ومع اتساع الفجوة، يصبح من المنطقي أن تفضل الدول الأخرى عملات بديلة لعقد صفقاتها، خاصة مع شركاء مثل الصين والهند وروسيا؛ إذ إنّ العملة المهيمنة في التجارة العالمية عادةً ما تصبح العملة المهيمنة في أسواق المال.
اقرأ أيضًا: ترامب يعود والدولار ينتصر.. رهانات القوة والمخاطر
الديون الأمريكية.. خطر داخلي يهدد الدولار
هُناك علامات استفهام تُطرح حول متانة الوضع المالي للولايات المتحدة نفسها، إذ يتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس (CBO) أن يصل الدين العام إلى 166% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2054، مقارنة بـ99% فقط في 2024.
الأمر لا يتوقف هنا، إذ أفادت تقارير بأن سكوت بيسنت، وزير الخزانة في إدارة ترامب، يفكر في إصدار سندات طويلة الأجل لمدة 100 عام، وربما حتى فرض “رسوم استخدام” على السندات لحماية السوق المحلي من المستثمرين الأجانب.
مثل هذه الإجراءات قد تُقوّض ثقة المستثمرين العالميين في أصول الخزانة الأمريكية التي تمثّل الركيزة الأساسية لاحتياطيات البنوك المركزية في العالم.
التحالفات تُبقي الدولار حيًا.. ولكن إلى متى؟
الاحتفاظ باحتياطيات من الدولار يرتبط تاريخيًا بالتحالفات السياسية؛ فخلال الحرب الباردة دعمت ألمانيا واليابان الدولار لضمان المظلة الأمنية الأمريكية، وحتى اليوم تعتمد دول مثل تايوان وكوريا الجنوبية واليابان على هذه المظلة، ما يفسر تمسكها بالعملة الأقوى في العالم.
لكن مع تصاعد التوترات بين واشنطن وحلفائها، ومع خطابات ترامب التي تشكك في جدوى الناتو والتزامات أمريكا تجاه أوروبا وآسيا، فإن هذه الدول قد تعيد النظر تدريجيًا في حجم احتياطاتها بالدولار.
اقرأ المزيد: “ترامب” يهدد “بريكس” برسوم جمركية لحماية الدولار
نظرة المستثمرين: الدولار لا يُهزم حتى الآن
رغم كل التحديات، لا تزال الأسواق تعتبر الدولار العملة الآمنة الأولى عالميًا؛ ففي الأزمات يتدفق المستثمرون عليه بسبب عمق السوق الأمريكية، وسهولة تحويل الأصول، وحجم المعروض.
لكن السؤال الكبير: إلى متى؟ كل عملة مهيمنة عبر التاريخ، من الدراخما اليونانية إلى الدينار الروماني والجنيه الإسترليني، فقدت مكانتها في لحظة ما، ولم يكن السبب اقتصاديًا فقط، بل سياسيًا أيضًا.
بقاء العملة الأمريكية في موقعها الحالي يعتمد على ما هو أبعد من المؤشرات الاقتصادية، حيث يتوقف الأمر على مدى التزام الولايات المتحدة بمبادئها المؤسسية، واحترام تحالفاتها، وقدرتها على تقديم نموذج اقتصادي وسياسي يُحتذى به.
وفي حال قرَّرَت واشنطن أن تتحرك بشكل منفرد وأن تستخدم الدولار كأداة ضغط سياسي، بدلاً من كونه أداة استقرار مالي عالمي، فإنَّ العملة الخضراء قد لا تسقط فجأة، لكنَّها قد تبدأ رحلة تآكل بطيئة، شبيهة بتلك التي أنهت عصر الجنيه الإسترليني.
موضوع ذو صلة: الدولار ملك العملات.. ما هو الدور الذي يلعبه في الاقتصاد العالمي