هدنة مؤقتة في الحرب التجارية بين أمريكا والصين.. خفض الرسوم المتبادلة
في خطوة استراتيجية تهدف إلى تهدئة التوترات الاقتصادية العالمية ووضع حد لتصاعد الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية والصين عن اتفاق جوهري لتخفيض الرسوم الجمركية المتبادلة. وقد أثار هذا الاتفاق، الذي جاء بعد جولات مكثفة من المفاوضات في جنيف، ردود فعل واسعة في الأوساط الاقتصادية والمصرفية، وسط توقعات متباينة بشأن تداعياته على حركة التجارة الدولية والاستقرار المالي العالمي.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبّر عن تفاؤله إزاء نتائج المحادثات، مشيرًا إلى أن هذا التقدم يعكس رغبة مشتركة في استعادة التوازن التجاري وتخفيف الضغوط على الأسواق العالمية.
هل يشكّل الاتفاق الأمريكي الصيني نهاية للحرب التجارية؟
أكَّد الدكتور حسين العسيلي أنَّ الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة والصين بشأن تخفيض الرسوم الجمركية يعتبر خطوة استراتيجية نحو التهدئة الاقتصادية بين العملاقين الاقتصاديين، خاصة بعد سنوات من التصعيد التجاري الذي بلغ ذروته في عام 2024.
وأوضح العسيلي أن هذا الاتفاق يأتي بعد مرحلة من الحرب التجارية المستمرة منذ عام 2018، والتي فرضت فيها واشنطن رسوماً جمركية على السلع الصينية وصلت إلى 145%، فيما ردت بكين بفرض رسوم بلغت 125% على السلع الأمريكية.
ومع ذلك، أشار العسيلي إلى أن الاتفاق الجديد يعكس تحولاً كبيراً في سياسة البلدين، حيث قامت الولايات المتحدة بتخفيض الرسوم على الواردات الصينية إلى 30%، بينما خفضت الصين رسومها إلى 10%، مما يعني تراجعاً بنسبة 115% لكلا البلدين، واعتبر العسيلي أن هذا التحول المفاجئ جاء استجابة لضغوط اقتصادية داخلية يعاني منها الاقتصادان الأكبر في العالم.
اقرأ أيضًا: خطة “صنع في الصين” تُربك ميزان القوى الصناعي العالمي
إعادة بناء الثقة في الاقتصاد الأمريكي
أوضح العسيلي أن الصين تواجه تباطؤاً اقتصادياً ملحوظاً نتيجة تراجع معدلات النمو وتباطؤ الصادرات، وهو ما دفعها للقبول بتخفيض الرسوم الجمركية على السلع الأمريكية. من ناحية أخرى، تعاني الولايات المتحدة من ارتفاع معدلات التضخم، مما جعل الإدارة الأمريكية الجديدة تتبنى سياسة اقتصادية أكثر انفتاحاً لتخفيف الأعباء عن المستهلكين والشركات.
وأشار العسيلي إلى أن الشركات الصناعية والتجارية الكبرى في البلدين كانت من أبرز الداعمين لهذه الخطوة، حيث مارست ضغوطاً قوية على الحكومتين لتخفيف الرسوم الجمركية بهدف تقليل تكاليف الإنتاج وتحقيق الاستقرار التجاري. وقال: “الشركات الأمريكية، وخاصة شركات التكنولوجيا والسيارات، كانت من أكثر المتضررين من الرسوم المرتفعة على الواردات الصينية، وهو ما انعكس سلباً على قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية والمحلية”.
وفي هذا السياق، أكَّد العسيلي أنَّ الاتفاق يعد خطوة جادة نحو إعادة بناء الثقة في الاقتصاد الأمريكي، خاصة بعد مرحلة من الاضطراب الاقتصادي والسياسي، لافتًا إلى أنَّ قرار تخفيض الرسوم الجمركية جاء كجزء من سلسلة إجراءات تهدف إلى تعزيز مناخ الاستثمار وتحفيز النمو الداخلي، وهو ما من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الأسواق المالية.
تأثير الاتفاق على التجارة العالمية
أشار العسيلي إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتعاشاً ملحوظاً في حركة التبادل التجاري بين البلدين، بعد تراجع التجارة الثنائية بنسبة 21% في أبريل 2025، وأضاف أن الأسواق المالية قد تشهد تحسناً ملموساً مع تراجع حالة القلق بين المستثمرين، مما يعزز تدفق رؤوس الأموال إلى الأسواق الأمريكية والصينية.
ويرى العسيلي أن استقرار سلاسل الإمداد العالمية سيكون من النتائج المباشرة لهذا الاتفاق، حيث ستتراجع تكاليف الشحن وأسعار المواد الخام، مما يخفف من حدة الضغوط التضخمية على المستهلكين في كلا البلدين.
وفي ختام تصريحاته، أبرز العسيلي تساؤلًا حول ما إذا كان هذا الاتفاق يشير إلى إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي، موضحاً أن الصين تسعى للحفاظ على أسواقها الخارجية وسط تباطؤ اقتصادي، بينما تحاول الولايات المتحدة تحقيق التوازن دون خسارة شركائها التجاريين.
وأكَّد أنَّ المرحلة المقبلة قد تشهد إما عودة تدريجية لنظام التجارة المفتوحة، ولكن بقواعد جديدة تراعي التوازن بين القوى الاقتصادية الكبرى، أو إعادة تشكيل تحالفات اقتصادية تتجاوز الثنائية التقليدية بين الشرق والغرب.
اقرأ التقرير المفصل حول تداعيات فك الارتباط بين أمريكا والصين على الاقتصاد العالمي
مستقبل المرحلة المقبلة
من جانبه، وصف الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، الاتفاق بأنه خطوة مؤقتة نحو تهدئة التوترات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، وأوضح أن الاتفاق يبدأ العمل به اعتباراً من 14 مايو ولمدة 90 يوماً، وهو ما يعني إيقاف التعامل بالتعريفة الجمركية المرتفعة خلال هذه الفترة.
وأشار السيد إلى أن الولايات المتحدة والصين تسيطران على 43% من الناتج الإجمالي العالمي، حيث تستحوذ الولايات المتحدة على 25%، بينما تساهم الصين بـ 18.5%.
وأوضح أن الاتفاق ينص على تخفيض الرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الصينية من 145% إلى 30%، باستثناء الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية التي ستظل خاضعة لتعريفة خاصة، مؤكدًا أن هذا التخفيض الكبير يأتي في إطار محاولة الولايات المتحدة لزيادة صادراتها إلى الصين لتعويض الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الأمريكي نتيجة الرسوم المرتفعة.
وأشار السيد إلى أن الصين ستلتزم بخفض الرسوم الجمركية على المنتجات الأمريكية من 125% إلى 10%، وهو ما سيؤدي إلى انتعاش حركة التجارة بين البلدين، ولفت إلى أن الولايات المتحدة طالبت الصين بزيادة وارداتها من السلع الأمريكية لتقليل الفجوة التجارية بين البلدين.
اقرأ المزيد: اتفاق أمريكا والصين.. هدنة تجارية أم فخ اقتصادي جديد؟
ردود فعل الأسواق العالمية على الاتفاق
أوضح السيد أن أسواق الأسهم والسندات ستشهد ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، نتيجة تحسن المناخ التجاري وتراجع التوترات بين واشنطن وبكين. وأضاف أن أسعار الذهب قد تشهد انخفاضاً طفيفاً نتيجة تحسن الثقة في الأصول ذات المخاطر المرتفعة، مما قد يدفع المستثمرين إلى التحول من الذهب إلى الأسهم والسندات.
كما أكَّد السيد أن هذا الاتفاق يعيد الوضع التجاري بين البلدين إلى ما كان عليه قبل 2 أبريل الماضي، وهو التاريخ الذي فرض فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرسوم الجمركية المرتفعة على المنتجات الصينية في إطار حرب تجارية كانت تهدف إلى تقليص العجز التجاري مع الصين.
واختتم السيد تصريحاته بالإشارة إلى أن الاتفاق يحمل رسالة إيجابية للأسواق العالمية بأن توجه البلدين الحالي يميل إلى تهدئة الحرب التجارية وإعادة بناء العلاقات بشكل أكثر توازناً، مؤكدًا أنَّ هذا المناخ التجاري المستقر سيخلق فرصاً استثمارية جديدة في كلا البلدين، ويعزز النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
قد يهمّك أيضًا: كيف تؤثر الحرب التجارية على استثمارات الصين في السندات الأمريكية؟