هل تنجح الحكومة المصرية في تخفيف الأعباء المالية على المواطن؟

بعد الضغوط الاقتصادية التي واجهها المواطن المصري منذ لجوء مصر إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وما تبع ذلك من تحرير سعر الصرف، وارتفاع معدلات التضخم، وغلاء أسعار السلع، وتقليص الدعم على الوقود، بدأت الحكومة المصرية بمراجعة سياساتها الاقتصادية وبرنامجها مع صندوق النقد الدولي، سعياً لتخفيف الأعباء على المواطنين، فضلًا عن التخطيط لرفع مرتبات العاملين في الدولة وتوسيع  مظلة الحماية الاجتماعية وزيادة معاشات تكافل وكرامة. 

ومع توجيهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بضرورة إعادة النظر في البرنامج مع صندوق النقد الدولي،  أعلن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، عن ضرورة مراجعة التوقيتات والأهداف ضمن البرنامج، وأكد على ضرورة التخفيف من الأعباء الاجتماعية التي يتحملها المواطن.

زيارة مديرة صندوق النقد الدولي إلى مصر

من المقرر أن تزور كريستالينا غورغيفا، مديرة صندوق النقد الدولي، مصر في الأيام المقبلة للاطلاع على الأوضاع الاقتصادية من كثب، تأكيدًا على أهمية الالتزام بتنفيذ الإصلاحات، وقد أضافت غورغيفا أن الاقتصاد المصري يواجه تحديات كبيرة بسبب الصراعات الإقليمية في غزة ولبنان والسودان، مشيرةً إلى فقدان 70% من إيرادات قناة السويس.

ويرى خبراء الاقتصاد أنه في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية الحالية، يعتبر طلب مصر مراجعة شروط برنامج صندوق النقد الدولي خطوة طبيعية لتخفيف الأعباء الناتجة عن الظروف غير المتوقعة. ومع النظر إلى تاريخ مصر في الالتزام بتعهداتها المالية، وتجاربها السابقة في تعديل برامج الإصلاح، إلى جانب الأمثلة الدولية، فإنّ مصر لديها فرصة واقعية لتحقيق تفاهم مع الصندوق والتعامل بمرونة مع التحديات الاقتصادية القائمة.

توقعات النمو الاقتصادي حتى 2027

كشف استطلاع أجرته وكالة “رويترز” عن توقعات بارتفاع نمو الاقتصاد المصري إلى 4% حتى نهاية يونيو 2025، نتيجة للسياسات التقشفية المفروضة بموجب برنامج صندوق النقد الدولي، كما توقع الخبراء تسارع النمو إلى 4.7% في 2025-2026 و5.3% بحلول 2026-2027.

في المقابل، شهدت السنة المالية 2023-2024 انخفاضاً في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.4% مقارنةً بـ 3.8% في العام السابق، وفقاً للبنك المركزي، ويعزى هذا الانخفاض إلى أزمة العملة والأزمات الإقليمية، خاصة الحرب في غزة التي أثرت على إيرادات قناة السويس وقطاع السياحة، ما أضاف ضغوطاً إضافية على الاقتصاد المصري.

مصر تسجل ثاني أعلى دين لصندوق النقد الدولي

قال الدكتور سيد قاسم، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، إنّ مما لا شك فيه أن الحكومة المصرية استعانت بالعديد من حزم المساعدات من صندوق النقد الدولي، ووقعت تحت ضغوط اقتصادية عديدة، فضلًا عن ضغوط التوترات الجيوسياسية المحيطة بها من كل جانب، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الدين ومصاريف خدمة الدين، حتى وصلت إلى المركز الثاني كأكبر دولة مدينة لصندوق النقد الدولي، بعد الأرجنتين، مع العلم بأن مصر لم يسقط عليها أي قسط من القرض أو فوائد خدمة الدين .

ومن الجدير بالذكر أنّ الحكومة المصرية باتت تبحث عن مخرج بين القواعد المعيارية الهيكلية لصندوق النقد الدولي، لتقديم مطلب لمراجعة بعض شروط برنامج الصندوق في مصر، حيث فرض الصندوق العديد من الشروط المجحفة خلال رحلة الحكومة المصرية للاقتراض المتواصل لسد العديد من متطلبات خطة الإصلاح الهيكلي، والتي كانت تقع على كاهل المواطن البسيط .

قد يهمك أيضًا: السيسي: سنراجع اتفاق صندوق النقد إذا أضر بالمواطنين

مراجعة شروط البرنامج

حسبما جاء في توصية الرئيس المصري، في حال كانت متطلبات تنفيذ برنامج صندوق النقد الدولي مع مصر تضغط على المواطن والرأي العام، فإن من واجب الحكومة المصرية مراجعة الموقف مع الصندوق.

الحكومة المصرية لها الحق في التقدم لطلب مراجعة شروط برنامج الصندوق، شأنها في ذلك شأن أي دولة، خاصة أن العالم الاقتصادي بأكمله يواجه مشكلة تعطل حركة الملاحة والتجارة الدولية، حتى وصلت إلى مستوى الشلل التام في العديد من الصناعات، بسبب التوترات الجيوسياسية التي أثرت على برنامج الإصلاح الهيكلي.

وقال الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي، في ظل ارتفاع حدة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وزيادة وتيرة العمليات العسكرية، تأثرت اقتصاديات المنطقة وارتفعت الضغوط التضخمية، وقد سعت الدول، وعلى رأسها مصر، إلى احتواء هذا التضخم المتزايد، وهو أحد الأهداف التي يسعى صندوق النقد الدولي لتحقيقها في تعاونه مع الاقتصاد المصري.

ومع توجه الدولة المصرية لمراجعة شروط الصندوق في ظل الظروف الراهنة، والتي لم تكن جزءًا من اعتبارات الصندوق، في خطته الموضوعة مسبقًا، فقد تأثرت مصادر التمويل وهيكلتها بسبب التحديات الخارجية، ورغم ذلك، يلتزم الاقتصاد المصري بسداد كل الاستحقاقات في مواعيدها للجهات الخارجية المانحة للتمويل.

علمًا أنّ دين مصر لصندوق النقد الدولي بلغ حوالي 13 مليار دولار أمريكي، ما يمثل 8.7% من إجمالي الدين الخارجي لمصر البالغ 152 مليار دولار أمريكي، والذي انخفض من 165 مليار دولار أمريكي.

ضرورة التعديل على البرنامج الحالي

ومع سجل الاقتصاد المصري السابق في التعامل مع الصندوق وحقوقه فيه، من المنطقي أن تتجه مصر نحو تعديل تواريخ استحقاق بعض الشروط الإصلاحية للصندوق لضمان استمرار التدفقات النقدية؛ ومن أبرزها إعادة النظر في مرونة سعر الصرف، ورفع الدعم التدريجي عن العديد من السلع والمنتجات الأساسية لخفض فاتورة الدعم في الموازنة العامة المصرية، وضمان استمرار مظلة الدعم الاجتماعي للفئات الأكثر استحقاقًا في المجتمع المصري.

كما تم التشديد على أهمية توجه الدولة المصرية نحو دعم القطاعات المولدة للعملات الأجنبية، مع التركيز على تعزيز ملف الصناعة، خاصة الصناعات التحويلية، وزيادة قيمة الصادرات.

ومن جانبها قالت الدكتورة جيهان يعقوب الخبيرة الاقتصادية: “من المهم توضيح أن مصر لم تتأخر تاريخيًا في سداد أي التزامات مالية سواء كانت أقساط قروض أو فوائد، كما أنّها نجحت في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 2016 في ظل ظروف عالمية وإقليمية مستقرة، مما ساعدها على تحقيق أهداف البرنامج”.

وأضافت الخبيرة: “مع ذلك يواجه البرنامج الحالي تحديات خارجية كبيرة، منها جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وأخيرًا حرب غزة. وإلى جانب هذه الأزمات، تعاني مصر من تحديات إقليمية غير مسبوقة؛ تشمل المخاطر الجيوسياسية والصراعات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط، مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والتوترات بين إيران وإسرائيل، ولبنان وإسرائيل، إذ إنّها كلّها تؤثر على مصر بشكل مباشر نظرًا لموقعها الجغرافي والسياسي”.

“علاوة على ذلك، تأثرت مصر سلبًا بالتوترات في البحر الأحمر، مما أدى إلى فقدان نحو 70% من إيراداتها المتوقعة من تلك المنطقة، وهو ما يزيد الضغط على الاقتصاد المصري في هذه المرحلة الحساسة”، وفقًا للخبيرة الاقتصادية.

اقرأ أيضًا: هل بدأت مصر تطبيق اقتصاد الحرب؟

مرونة الصندوق في التعامل مع الأزمات

وفقًا للأعراف الدولية، يحق للدول التي تواجه ظروفًا خارجية غير متوقعة مثل الحروب أو الأزمات الجيوسياسية أن تتقدم بطلب لصندوق النقد الدولي لمراجعة شروط البرنامج الاقتصادي، سواء بالتخفيف أو التأجيل، وليس الإلغاء، هذه الخطوة تعتبر جزءًا من التعاون المستمر بين الدولة وصندوق النقد، حيث يهدف الطرفان لتحقيق توازن بين تنفيذ الإصلاحات الضرورية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وفي هذه الحالات، يظهر صندوق النقد الدولي مرونة في التعامل مع التغيرات الاقتصادية والسياسية، وقد يوافق على مراجعة الشروط بناءً على الظروف الجديدة، على سبيل المثال، في حالة الأزمات أو ارتفاع الأسعار بشكل غير متوقع، قد يسمح الصندوق بتعديل الجداول الزمنية للإصلاحات أو تأجيل بعض الأهداف المالية.

تجارب مصر مع صندوق النقد

خلال تنفيذ برامج الإصلاح السابقة، واجهت مصر تحديات، مثل التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، ما دفع الحكومة لطلب تعديلات على بعض بنود البرنامج، كما توصلت مصر إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لتخفيف الشروط أو تأجيل تنفيذ أهداف معينة في عدة مناسبات سابقة، مما ساعد على استقرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

واختتمت الخبيرة قائلة، رغم أن طلب مراجعة شروط البرنامج أمر وارد ويُعتبر مقبولًا في إطار التعاون الدولي، إلا أنه يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرًا في التفاوض. لذا، ينبغي لمصر تقديم ملف شامل ومفصل يعرض الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الحالية بدقة وشفافية، إلى جانب تصور واضح للمخاطر المحتملة وتأثيراتها على المجتمع، كما يتعين على الحكومة تقديم مقترحات بديلة للتعديلات المطلوبة، مدعومة بخطط تنفيذية محكمة.

زيادة المرتبات ورفع الأجور

في هذا الوقت، تُخطط الحكومة المصرية لتخفيف الأعباء التي ترتبت على المواطنين نتيجةً لزيادة أسعار الوقود، حيث كشف النائب إبراهيم عبد النظير، عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، عن احتمالية زيادة الأجور والمعاشات خلال الفترة المقبلة، مؤكدًا أن هذه الخطوة تأتي بهدف مواجهة غلاء المعيشة والتضخم الذي أثر بشكل مباشر على المواطنين.

وأكد عبد النظير أن الحكومة بصدد الموافقة رسميًا على زيادة مرتبات الموظفين بما يصل إلى 2000 جنيه، مشيرًا إلى أن اتخاذ مثل هذا القرار يعود إلى القيادة السياسية التي تختص بإقرار هذه الزيادات، وتحديد قيمة حزمة الحماية الاجتماعية الممثلة في برنامج تكافل وكرامة. 

وأضاف أن القيادة السياسية هي الجهة الوحيدة المخولة بتحديد حجم الزيادة المرتقبة في الأجور والمعاشات، وأنه لا توجد أي جهة أخرى تملك معلومات دقيقة حول حجم الزيادة المنتظرة.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة