أثارت تصريحات الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، بشأن التوجه لخفض الدين العام إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة منذ نحو خمسين عامًا عبر مبادلة الديون بالأصول، نقاشًا واسعًا حول الفارق الجوهري بين طبيعة الدين وطبيعة الأصول، فالدين في جوهره التزام مالي مؤقت يمكن إدارته وإعادة جدولته وسداده عبر النمو الاقتصادي، وزيادة الإنتاج، وتعزيز الصادرات، بينما تمثل الأصول ثروة دائمة تشكل العمق الاقتصادي والسيادي للدولة، وخروجها من يدها يعني فقدانها إلى غير رجعة.
ويشير هذا الطرح إلى أن مبادلة الديون بالأصول في مصر، لا تعني فقط معالجة عبء مالي قائم، بل تنطوي عمليًا على نقل ملكية أصول عامة إلى أطراف أجنبية أو مالية، بما يقلّص قدرة الدولة على إدارة اقتصادها.
أهمية فهم طبيعة الديون العامة وآليات إدارتها
في هذا السياق، قال الدكتور رضا عبد السلام، الخبير الاقتصادي، إن الجدل المتصاعد خلال الفترة الأخيرة حول ملف الدين العام واستبدال الديون، لا سيما عقب تصريحات رئيس مجلس الوزراء بشأن استهداف خفض الدين إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة منذ نحو خمسين عامًا، يعكس قلقًا مفهومًا لدى الرأي العام، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن سوء فهم واسع لطبيعة الديون العامة وآليات إدارتها الاقتصادية.
وأوضح عبد السلام أن الدين العام ليس شرًا في حد ذاته، بل يمثل أداة مالية تلجأ إليها جميع دول العالم، تمامًا كما يفعل الأفراد، سواء لمواجهة أزمات طارئة، أو لإعادة هيكلة التزامات قائمة، أو لتمويل مشروعات استثمارية ذات عائد مستقبلي يحقق قيمة مضافة مستدامة للاقتصاد وللأجيال القادمة.
وأضاف أن الدين العام ينقسم إلى دين داخلي ودين خارجي؛ حيث يتمثل الدين الداخلي في الاقتراض من السوق المحلية عبر أذون وسندات الخزانة، وهي في حقيقتها أموال المواطنين المودعة بالبنوك، بينما يتمثل الدين الخارجي في الاقتراض بالعملة الصعبة لسد الفجوة بين الموارد الدولارية المتاحة واحتياجات الدولة من الواردات الأساسية، مثل الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج.
وأشار إلى أن الاقتراض قد يُستخدم أحيانًا كأداة لإدارة التضخم، موضحًا أن الدولة قد تقترض رغم عدم احتياجها المباشر للسيولة، بهدف امتصاص فائض السيولة من السوق وتقليل الضغوط التضخمية، في إطار تنسيق بين السياسات المالية والنقدية، وهو نهج معمول به في العديد من الاقتصادات الكبرى.
قد يهمّك أيضًا: الاقتصاد المصري 2026 بين فرص حقيقية وضغوط مستمرة
مخاطر استخدام الدين في تمويل الإنفاق الاستهلاكي
شدد عبد السلام على أن جوهر المشكلة لا يكمن في حجم الدين فقط، وإنما في كيفية توظيفه، محذرًا من أن الخطورة تظهر عندما تُستخدم القروض في تمويل إنفاق استهلاكي غير منتج، أو عندما يتم التفريط في أصول ناجحة تم تمويلها في الأساس عبر الاقتراض، ما يحرم الدولة من العائد المتوقع من تلك الاستثمارات.
وفيما يخص استبدال الديون بالاستثمار، أكد أن هذا التوجه غير مرفوض من حيث المبدأ، لكنه يتطلب ضوابط صارمة، أهمها أن يكون الاستثمار إنتاجيًا وتصديريًا، وليس استحواذيًا على أصول قائمة تحقق أرباحًا بالفعل، مشيرًا إلى أن بيع الأصول الناجحة يثير تساؤلات منطقية حول جدوى الاقتراض ذاته، ويعيد للأذهان تجارب خصخصة سابقة غير منضبطة.
وأوضح أن الاستثمار الأجنبي ليس مشكلة بحد ذاته، وإنما تكمن المشكلة في نوعية هذا الاستثمار، محذرًا من الاستثمارات الاستهلاكية التي تضغط على العملة المحلية، وتعتمد على مدخلات محلية، ثم تقوم بتحويل أرباحها إلى الخارج بالعملة الصعبة، دون تحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
وأكد أن البديل الأكثر أمانًا يتمثل في الاستثمارات الإنتاجية الزراعية والصناعية، القائمة على الشراكة مع الدولة بنظام الانتفاع طويل الأجل، وبعقود واضحة ومؤمنة دوليًا، بما يضمن تدفق العملة الصعبة، وخلق فرص عمل حقيقية، وزيادة الصادرات، مع الحفاظ على حقوق الدولة.
وحذّر عبد السلام من التهاون في ملف الأراضي والأصول الاستراتيجية، مؤكدًا أن أرض مصر ليست محل تفريط، وأنه يجب التدقيق الشديد في هوية المستثمرين وأهدافهم بعيدة المدى، خاصة في ظل التحديات الإقليمية والاضطرابات الجيوسياسية المحيطة.
بدائل الاقتراض التقليدي
دعا عبد السلام إلى التوسع في بدائل الاقتراض التقليدي، مثل عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث تقتصر الدولة على دور المنظم والمراقب، بينما يتولى القطاع الخاص التمويل والتنفيذ والتشغيل لفترات محددة، بما يخفف العبء عن الموازنة العامة، ويحقق للدولة عوائد دون تحمل تكلفة استثمارية مباشرة.
واختتم عبد السلام تصريحاته بالتأكيد على أن القضية الأساسية هي الإدارة المؤسسية الرشيدة، القائمة على تقوية أجهزة الرقابة، ورفع كفاءة المؤسسات العامة، وتحديد دور الدولة كمنظم وحَكَم لا كتاجر أو مستثمر، بما يسمح بخفض الاعتماد على الديون تدريجيًا والانتقال إلى مسار تنموي أكثر استدامة.
تداعيات الجدل حول مبادلة الديون على تدفقات الاستثمار
قال هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، إن الجدل العلني المتواصل حول ملف الديون يحمل مخاطر حقيقية على صورة الاقتصاد المصري، محذرًا من أن استمرار النقاش المفتوح بين الحكومة والخبراء بشأن خطورة الدين ينعكس سلبًا على تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة، بما في ذلك استثمارات أذون الخزانة وسوق البورصة.
وأوضح توفيق أن المستثمر الأجنبي يراقب الخطاب الاقتصادي الرسمي بدقة، متسائلًا: كيف يمكن جذب استثمارات جديدة في دولة يتركز خطابها الإعلامي والرسمي على مخاطر الديون، بدلًا من التركيز على الإصلاح الهيكلي وإزالة معوقات الاستثمار؟ معتبرًا أن هذا الخطاب يبعث برسائل سلبية للأسواق.
وأضاف أن مقترحات مبادلة الديون بالأصول في مصر تمثل حلًا غير منطقي نهائيًا، كما أنّها لا تستند إلى تجارب اقتصادية رشيدة، مؤكدًا رفضه القاطع لأي حلول تقوم على بيع الأراضي أو الأصول أو الشركات أو الموانئ أو المطارات، باعتبارها أمانة تاريخية مملوكة للأجيال القادمة، وأن التفريط فيها سيُسجل على هذا الجيل.
وأشار إلى أن التركيز على نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي وحدها يعد قراءة قاصرة، موضحًا أن المعيار الحقيقي هو قدرة الاقتصاد على السداد، لافتًا إلى أن دولًا تتجاوز فيها هذه النسبة 130% و150%، لكنها قادرة على الوفاء بالتزاماتها لأنها تنتج وتصدّر وتحقق قيمة مضافة حقيقية.
وأكد أن الإشكالية في الحالة المصرية لا تقتصر على الدين الخارجي، بل تشمل أيضًا الدين الداخلي، خاصة في ظل الطرح الأسبوعي المكثف لأذون وسندات خزانة بقيم تتراوح بين 200 و250 مليار جنيه، ما يشكل ضغطًا متزايدًا على المالية العامة.
اقرأ أيضًا: مصر تتوسع في استخدام آلية مبادلة الديون مع الدول الشريكة
الحل الحقيقي لخفض الدين.. وحدة الموازنة العامة
أوضح توفيق أن خفض أسعار الفائدة ليس خيارًا سهلًا في ظل التوازنات التي يديرها البنك المركزي، بين الحفاظ على جاذبية الودائع، ومراعاة تأثير أي خفض حاد على خروج الأموال الساخنة، وما قد يترتب عليه من ضغوط على سعر الصرف.
وشدد توفيق على أن الحل الحقيقي لخفض الدين يبدأ بتفعيل مبدأ وحدة الموازنة العامة، وانسحاب الدولة التدريجي والمنظم من النشاط الاقتصادي المباشر وفق جدول زمني واضح، بما يفسح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار والتشغيل والتصدير.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الإصلاح الهيكلي الشامل للاقتصاد، وإزالة القيود البيروقراطية والتشريعية، وجذب الاستثمارات الإنتاجية، تمثل المسار الوحيد المستدام لمعالجة أزمة الديون، محذرًا من اللجوء إلى حلول شكلية أو عناوين صادمة في ملفات شديدة الحساسية، حفاظًا على ثقة المستثمرين واستقرار الاقتصاد الوطني.
اقرأ أيضًا: خفض الدين العام في مصر.. ما هي خطة الحكومة وما فرص نجاحها؟
