هل تنضم أوروبا للحرب على إيران.. تحول استراتيجي أم ردع دفاعي؟

أعرب قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، عن استعدادهم لاتخاذ ما وصفوه بـ”خطوات دفاعية متكافئة”، بهدف القضاء على مصدر قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وقد أكد البيان أن الدول الثلاث عازمة على حماية مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة، مشدداً على أن من بين أولويات هذه الإجراءات منع إيران من مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات التي تهدد أمن المنطقة.

جاء الموقف الأوروبي في أعقاب التصعيد العسكري الذي بدأ السبت بهجوم أمريكي-إسرائيلي ضد إيران، وردّت عليه طهران بتنفيذ ضربات مكثفة استهدفت عدداً من الدول المجاورة، إضافة إلى إسرائيل. ووفقاً لجهاز الإسعاف الإسرائيلي، أسفرت الضربات التي نُفذت الأحد عن مقتل تسعة أشخاص داخل إسرائيل، في تطور يعكس اتساع رقعة المواجهة وخطورتها.

استراتيجية “الدفاع الاستباقي”

من خلال البيان الثلاثي، عبّر قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا عن قلقهم البالغ إزاء ما وصفوه بالهجمات الصاروخية العشوائية التي تشنها إيران على دول المنطقة، معتبرين أن هذه الضربات جاءت رداً على العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية التي تستهدف مواقع إيرانية. وأوضح البيان أن تلك الهجمات لم تقتصر على أطراف بعيدة، بل طالت حلفاء مقربين للدول الثلاث، كما أنّها تهدد بشكل مباشر عناصر قواتهم المسلحة المنتشرة في المنطقة، فضلاً عن المدنيين.

وأشار البيان إلى أن برلين وباريس ولندن سيجرون مشاورات مع الولايات المتحدة ومع حلفاء آخرين في المنطقة بشأن طبيعة التدابير الدفاعية وآليات تنفيذها، في إطار تنسيق أوسع يهدف إلى مواجهة التصعيد ومنع امتداده.

وأكد الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، أن الموقف الأوروبي شهد تحولاً ملحوظاً منذ اليوم الثاني لاندلاع الحرب، مشيراً إلى أن بيان ألمانيا وفرنسا وبريطانيا الذي تحدث عن اتخاذ “خطوات دفاعية ضرورية ومتناسبة” ضد قدرات إيران الصاروخية والمسيّرة يمثل نقلة نوعية في المقاربة الأوروبية للأزمة.

وأوضح عناني أن صياغة البيان لا تعكس مجرد دفاع تقليدي أو رد فعل محدود، بل تشير بوضوح إلى تبني مفهوم “الدفاع الاستباقي”، قائلاً إن الحديث عن استهداف قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والمسيّرات يعني عملياً أن العواصم الثلاث قد تلجأ إلى ضرب منصات الإطلاق داخل الأراضي الإيرانية إذا رأت أن التهديد بات وشيكاً.

أوروبا تُبرر تحول موقفها تجاه الصراع مع إيران

أشار عناني إلى أنَّ هذا التطور يُعد خروجاً عن النهج الأوروبي الحذر الذي طغى على المواقف السابقة، ويؤكد أن أوروبا لم تعد تكتفي بالدعم السياسي أو الدبلوماسي، بل باتت تلوّح بخيارات عسكرية تحت عنوان الحماية والدفاع.

وبيّن خبير العلاقات الدولية أن الأوروبيين برروا هذا التحول بالقول إن إيران هي من قامت بتوسيع رقعة الحرب، من خلال تنفيذ هجمات صاروخية وُصفت بالعشوائية، فضلًا عن استهدافها دولاً لم تكن طرفاً مباشراً في العمليات العسكرية ضدها.

واعتبر أن هذا الطرح وفّر غطاءً سياسياً وأخلاقياً يسمح للحكومات الأوروبية بتسويق موقفها داخلياً وخارجياً، على أساس أن ما تقوم به هو ردّ اضطراري لحماية الأمن والاستقرار، وليس مبادرة هجومية لتصعيد الصراع.

ولفت عناني إلى أن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا لا تتحرك بشكل منفصل، بل وضعت نفسها ضمن تحالف غربي إقليمي أوسع، يتعامل مع التصعيد الراهن من زاوية الدفاع المشترك. وأكد أن الحديث عن “خطوات دفاعية” يجب فهمه في سياق هذا التنسيق الواسع مع الولايات المتحدة وحلفاء آخرين في المنطقة، بما يعكس اصطفافاً استراتيجياً واضحاً.

اقرأ أيضًا: ارتفاع أسعار الذهب.. هل تقترب الأوقية من 6000 دولار؟

مهمة “أسبيدس” وتأمين الطاقة في البحر الأحمر

في السياق ذاته، لفت الدكتور أحمد عناني إلى قرار الاتحاد الأوروبي تعزيز مهمته البحرية في البحر الأحمر، المعروفة باسم “أسبيدس”، موضحاً أن هذه الخطوة ليست رمزية، بل تحمل دلالات عملية مهمة، فالمهمة التي تضم بالفعل عدداً من القطع البحرية تقرر دعمها بسفن إضافية بهدف تأمين الملاحة الدولية وحماية خطوط الإمداد ومرافقة السفن المدنية. واعتبر الخبير أن هذا التعزيز يعكس إدراكاً أوروبياً متزايداً لخطورة التهديدات التي تطال طرق التجارة والطاقة، خاصة بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز وبدء تهديدها المباشر لخطوط الإمداد الحيوية.

وأضاف أن العواصم الأوروبية باتت تستشعر احتمال وقوع صدمة طاقة قد تؤثر بشدة على اقتصاداتها، وهو ما جعل الانتظار خياراً مكلفاً سياسياً واقتصادياً، وأوضح أن التحرك الأوروبي جاء نتيجة شعور بأن مصالحه الحيوية باتت على المحك، سواء فيما يتعلق بأمن الطاقة أو استقرار الأسواق أو حماية قواته المنتشرة في المنطقة.

وأكد عناني أن الخطاب الأوروبي حرص على استخدام صياغات يمكن تسويقها للرأي العام الداخلي، من خلال التشديد على أن هذه الإجراءات دفاعية ومحدودة وضرورية، وليست إعلان حرب أو انخراطاً في تصعيد هجومي، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن طبيعة “الدفاع الاستباقي” قد تفتح الباب أمام عمليات عسكرية مباشرة إذا اعتُبر التهديد الإيراني وشيكاً، وهو ما يضع أوروبا أمام اختبار صعب بين الحفاظ على صورتها كقوة داعمة للاستقرار، وبين الانخراط الفعلي في مسرح العمليات.

واختتم عناني تصريحاته بالتأكيد على أن ما نشهده هو تحول استراتيجي في المقاربة الأوروبية للأزمة، تحركه اعتبارات أمنية واقتصادية، وأن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه التلويحات ستبقى في إطار الردع السياسي، أم ستتحول إلى تدخل عسكري مباشر تحت عنوان حماية المصالح والدفاع عن الأمن الإقليمي.

أمريكا تُراهن على التفكك الداخلي في إيران

حول الأهداف الحقيقية للحرب على إيران، أكد الدكتور محمد خيري، الباحث في الشأن الإيراني، أن الهدف الأساسي من العملية لم يكن احتلال إيران أو الذهاب إلى غزو بري شامل، لأن هذا السيناريو شبه مستحيل في ظل التعقيدات الجغرافية والعسكرية الإيرانية، وإنما كان الرهان على استهداف رأس النظام وإحداث صدمة في قمة هرم السلطة تؤدي إلى ارتباك داخلي، وربما تحرك شعبي يكمل ما لا تستطيع القوة العسكرية إنجازه بمفردها.

ولفت إلى أن التجارب في العراق وأفغانستان أثبتت أن إسقاط الأنظمة بالقوة يتطلب تدخلاً برياً واسعاً، وهو خيار لا يبدو مطروحاً في الحالة الإيرانية، لذلك جرى التعويل على سيناريو التفكك من الداخل.

وفيما يتعلق بمسألة المفاجأة، أوضح الباحث في الشأن الإيراني أن طهران لم تكن بعيدة تماماً عن توقع التصعيد، فمؤشرات الحشد العسكري كانت واضحة، سواء من خلال التحركات الأوروبية التي طلبت من رعاياها المغادرة، أو من خلال التعزيزات العسكرية الأمريكية المكلفة في المنطقة، لكنه أشار إلى أن التفوق التكنولوجي الإسرائيلي الأمريكي، خاصة في مجال الاتصالات والذكاء الاصطناعي، قد لعب دوراً حاسماً، مؤكداً أن الاتصالات تمثل العمود الفقري لأي منظومة عسكرية، وأن الاختراق التقني مع احتمالات وجود أخطاء بشرية يمكن أن يفسر حجم الضربة وتأثيرها.

ومن جهة أخرى، أوضح خيري أن أحد العوامل الجوهرية في توقيت الحرب هو تراجع أو إنهاك ما كان يُعرف بمحور المقاومة، فإيران خسرت سوريا، وحزب الله تعرض لضربات قاسية، والفصائل الحليفة في أكثر من ساحة أُضعفت خلال الأشهر الماضية، ما جعل طهران تدخل هذه المواجهة وهي في حالة عزلة إقليمية غير مسبوقة، والاستراتيجية التي اتبعتها إسرائيل قامت على إضعاف الأطراف أولاً، ثم الانتقال إلى المركز، أي إلى إيران نفسها.

اقرأ أيضًا: البرلمان الإيرانى يوافق على إغلاق مضيق هرمز

تقارب المصالح الإسرائيلية والأمريكية

شدد  خيري على أن الحرب لا يمكن قراءتها بمعزل عن مشروع أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يتحدث صراحة عن مرحلة جديدة تعيد رسم توازنات المنطقة. وبرأيه فإن الهدف يتجاوز الردع العسكري ليصل إلى إزالة أي قوة إقليمية قادرة على كبح المشروع الإسرائيلي، وأضاف أن الخطاب الأمريكي الذي يربط الحرب بالأمن القومي يخفي في جوهره أولوية إسرائيلية واضحة، وإن كانت المصالح الأمريكية أيضاً حاضرة، خاصة في سياق التنافس مع الصين التي تعتمد بنسبة معتبرة على النفط الإيراني.

وتطرق خيري إلى البعد الداخلي الأمريكي، موضحاً أن الرئيس الأمريكي دخل مغامرة سياسية محفوفة بالمخاطر، إذ إن تجاوز الكونغرس وعدم تهيئة الرأي العام قد يتحول إلى عبء إذا طال أمد الحرب أو ترتبت خسائر مباشرة.

وفي سياق تفسير الانحياز الأمريكي، أشار خيري إلى تأثير التيار الإنجيلي المحافظ داخل القاعدة الانتخابية الجمهورية، وإلى أن الإدارة الحالية تضم شخصيات متماهية بقوة مع الأجندة الإسرائيلية، ما يجعل التقاطع بين القرارين الأمريكي والإسرائيلي أقرب إلى التطابق في هذه المرحلة.

اقرأ أيضًا: مشروع قرار في الكونغرس لمنع ترامب من ضرب إيران دون تفويض مسبق

هل تنجح الصدمة في زعزعة الاستقرار الداخلي بإيران؟

يرى خيري أن استهداف القيادة قد يحدث صدمة نفسية، لكنه لا يعني بالضرورة انهيار النظام، لأن البنية الإيرانية قائمة على مؤسسات وآليات دستورية لتجديد القيادة. وفي هذا السياق، أوضح الباحث في الشأن الإيراني أن داخل النخبة السياسية الإيرانية تيارين؛ أحدهما براغماتي يميل إلى التهدئة وتسويات مرحلية، والآخر أكثر تشدداً يرى أن أي تنازل جذري سيقود إلى مصير مشابه لما حدث في ليبيا، لكنه أشار إلى أن أجواء الحرب عادة ما تعزز التيار الأكثر صلابة، خاصة إذا شعر النظام بأن وجوده ذاته مستهدف.

واختتم الدكتور محمد خيري تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستحددها تطورات الميدان العسكري، وقدرة إيران على امتصاص الضربة وإعادة ترتيب صفوفها، فضلاً عن حسابات الداخل الأمريكي والتوازنات الدولية الأوسع، وقال إن ما يجري يتجاوز حدود مواجهة ثنائية، فهو جزء من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وربما ملامح النظام الدولي نفسه، مؤكداً أن السؤال الحقيقي لم يعد كيف بدأت الحرب، بل كيف ستنتهي ومن سيرسم صورة الشرق الأوسط بعدها.

اقرأ أيضًا: تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد المصري

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة