تقترب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى مذكرة تفاهم مختصرة من صفحة واحدة، تستهدف إنهاء الحرب وفتح مسار مفاوضات تفصيلية بشأن البرنامج النووي الإيراني، وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، ورفع العقوبات، في تحول دبلوماسي لافت دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تعليق العملية البحرية الأمريكية في المضيق مؤقتًا، مع استمرار الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
وقال ترامب إن قراره جاء لمنح فرصة للتوصل إلى اتفاق مع إيران، وذلك بعد يومين من إطلاق واشنطن مشروع الحرية، وهي عملية قالت الإدارة الأمريكية إنها تهدف إلى مساعدة السفن التجارية العالقة على عبور مضيق هرمز. وأوضح أنّ تعليق العملية جاء بطلب من باكستان ودول أخرى، وبعد ما وصفه بـ” نجاح عسكري هائل” وتقدم كبير نحو اتفاق كامل ونهائي مع ممثلي إيران.
وفي رسالة ثانية، حذر ترمب طهران من ضربات أقوى وأكثر حدة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق ينهي النزاع بصورة نهائية، وكتب عبر منصة “تروث سوشيال” أنه إذا وافقت إيران على ما تم الاتفاق عليه فإن عملية “الغضب الملحمي” ستكون قد وصلت إلى نهايتها، أما إذا رفضت فسيبدأ القصف بمستوى أعلى وأكثر حدة مما كان عليه سابقًا.
فشل مشروع الحرية
كانت واشنطن قد أطلقت، الاثنين الماضي، 4 مايو 2026، مشروع الحرية في محاولة لإعادة فتح مضيق هرمز ومساعدة السفن التجارية العالقة على الخروج عبر الممر، وذلك بعد أن تصاعدت المخاوف من تهديدات مرتبطة بالألغام والطائرات المسيّرة والصواريخ والزوارق الحربية، وردت الولايات المتحدة بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل، بمشاركة حاملة الطائرات “يو إس إس جورج إتش دبليو بوش” ضمن قوة كبيرة من السفن الحربية والطائرات والعسكريين الأمريكيين.
وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن القوات الأمريكية وجهت حتى الآن 52 سفينة تجارية إلى تغيير مسارها أو العودة إلى الميناء للامتثال لإجراءات الحصار البحري المفروض على إيران.
وفي طهران، قال رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إن الحرب دخلت “مرحلة جديدة”، داعيًا الإيرانيين إلى الحذر من تقديم أي معلومات قد تُستغل ضد البلاد، ومؤكدًا أنّ “العدو يراقب بدقة”، وأضاف أن خصوم إيران يسعون، من خلال الحصار البحري والضغط الاقتصادي والحملات الإعلامية، إلى ضرب وحدة الداخل الإيراني ودفع البلاد إلى الاستسلام.
وأشار قاليباف إلى أنّ احتمال وقوع هجمات عسكرية، خصوصًا ما وصفه بـ”الهجمات الإرهابية”، ليس منخفضًا، معتبرًا أن جزءًا من خطة خصوم إيران يستهدف إضعاف البلاد من الداخل عبر الضغط على المجتمع والاقتصاد.
من جانبه، قال المتحدث البارز باسم القوات المسلحة الإيرانية، العميد أبو الفضل شكارجي، إن وضع القوات المسلحة “جيد جدًا وقوي ومقتدر”، معتبرًا أن خصوم إيران يفشلون كلما حاولوا اختبار قوتها، وأضاف أن “مشروع حرية مضيق هرمز” فشل بالكامل، وأكد أن إيران قادرة على إلحاق هزيمة قاسية بأي طرف يحاول الضغط عليها أو فرض شروطه بالقوة.
اقرأ أيضًا: توترات مضيق هرمز تبقي النفط تحت ضغط المخاطر الجيوسياسية
فتح المضيق تدريجيًا
في ظل تضارب الروايتين الأمريكية والإيرانية بشأن نجاح أو فشل التحركات في مضيق هرمز، قال الدكتور محمد خيري، الباحث في الشأن الإيراني، إن الأزمة دخلت مرحلة تفاوضية حساسة، مشيرًا إلى أن الاتصالات الجارية حاليًا تستهدف الوصول إلى تفاهم أولي يسمح بإعادة فتح المضيق بصورة تدريجية أمام السفن العالقة، مقابل تخفيف تدريجي للضغوط والحصار المفروض على إيران، خاصة ما يتعلق بالموانئ الإيرانية.
وأوضح خيري أن هذا الطرح لا يعني التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي بين إيران والولايات المتحدة، بل يمثل خطوة تمهيدية يمكن البناء عليها لاحقًا، ولفت إلى أن الصيغة المطروحة تقوم على مبدأ “خطوة مقابل خطوة”، بحيث يتم إعلان وقف الحرب أولًا، ثم معالجة أزمة الملاحة في مضيق هرمز باعتبارها الملف الأكثر إلحاحًا، على أن تُفتح بعد ذلك مفاوضات أوسع حول القضايا العالقة بين الجانبين.
وأضاف الباحث في الشأن الإيراني أن الوسيط الباكستاني تحرك خلال الأسابيع الماضية باتجاه هذه الصيغة، التي تربط بين الفتح التدريجي للممر الملاحي وتخفيف الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وأشار إلى أن طهران تحاول ربط أي انفراجة في مضيق هرمز بتحسن ملموس في ملف الحصار، نظرًا لما يمثله من ضغط اقتصادي مباشر عليها.
وذكر أن المقترح المتداول قد يتضمن مهلة زمنية تمتد إلى 30 يومًا أو أكثر، وربما تصل إلى عدة أشهر، يتم خلالها الدخول في مفاوضات تفصيلية حول العقوبات، والملف النووي، والضمانات الأمنية، وحرية الملاحة، وطبيعة الوجود العسكري الأمريكي في محيط إيران.
اقرأ أيضًا: أزمة وقود الطائرات تضرب شركات الطيران حول العالم
الوضع الميداني في مضيق هرمز
أكد خيري أن الوضع الميداني في مضيق هرمز لم يشهد حتى الآن تغيرًا حقيقيًا رغم الحديث السياسي والإعلامي عن احتمال حدوث انفراجة قريبة، فشركات الشحن الدولية لا تزال تتعامل بحذر شديد، وتطلب ضمانات واضحة ومباشرة قبل تحريك أي سفينة، خشية تعرضها لهجمات أو خسائر كبيرة، واعتبر أن قلق شركات الشحن مفهوم، لأن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية وبشرية واسعة.
وأوضح خيري أن أزمة مضيق هرمز أصبحت واحدة من أخطر أزمات الملاحة الدولية في الوقت الحالي، خاصة أن المضيق يمثل ممرًا حيويًا للتجارة والطاقة.
وبين أن حركة العبور قبل الحرب كانت تصل إلى نحو 120 سفينة يوميًا على الأقل، قبل أن تتراجع خلال الأسبوع الحالي إلى 44 رحلة، ثم تنخفض لاحقًا إلى 36 رحلة فقط، وهو ما يعكس حجم الاضطراب الذي يضرب حركة التجارة العالمية.
وتابع أن تقديرات الجيش الأمريكي تشير إلى وجود أكثر من 1500 سفينة عالقة في منطقة مضيق هرمز، بينما تتحدث تقديرات أخرى عن نحو 1600 سفينة، على متنها ما يقرب من 22500 بحار، واعتبر أن هذه الأرقام تكشف أن الأزمة تجاوزت حدود الخلاف السياسي والعسكري بين واشنطن وطهران، وتحولت إلى أزمة دولية تمس الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة.
تداعيات غلق مضيق هرمز على الملاحة
شدد خيري على أن مضيق هرمز لم يشهد منذ عقود طويلة توترًا بهذا الحجم، موضحًا أن استمرار إعاقة الملاحة بهذا الشكل يهدد برفع تكاليف الشحن، وزيادة أسعار الطاقة، وإرباك الأسواق العالمية، خصوصًا إذا طال أمد الأزمة دون تفاهم واضح بين الأطراف المعنية.
ولفت الباحث في الشأن الإيراني إلى أنّ الضغوط تتزايد داخل الولايات المتحدة لدفع الإدارة الأمريكية إلى سرعة التوصل لاتفاق، حتى لو كان اتفاقًا مبدئيًا يضمن وقف الحرب وفتح مضيق هرمز تدريجيًا، وأوضح أن واشنطن تدرك أن استمرار الأزمة يفرض عبئًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا، لا سيما في ظل انتظار الرد الإيراني على المقترح الأمريكي الأخير.
واختتم الدكتور محمد خيري تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل الأزمة يتوقف على طبيعة الرد الإيراني، ومدى قدرة الطرفين على تقديم تنازلات متبادلة تحفظ ماء الوجه وتمنع العودة إلى التصعيد العسكري.
وأكد أن فتح مضيق هرمز تدريجيًا قد يكون بوابة واقعية لتهدئة أوسع، لكنه لن ينجح ما لم تحصل شركات الشحن والأسواق الدولية على ضمانات واضحة بأن الملاحة ستعود بصورة آمنة ومستقرة.
اقرأ المزيد حول: كيف تعيد أسعار النفط رسم ملامح السياسات النقدية والاقتصادية عالميًا؟