هل تستطيع إسرائيل ضرب موقع “فوردو” الإيراني وحدها؟

تقرير: باسل محمود

في خضمّ الترقب الدولي لأي تحرك عسكري أمريكي تجاه إيران، تحولت منشأة “فوردو” النووية إلى مركز الجدل الأمني والاستراتيجي؛ فقد باتت هذه المنشأة، التي تقع تحت جبل قرب مدينة قم وتُحصّنها الصخور والخرسانة على عمق مئات الأمتار، هدفًا معلنًا في حسابات إسرائيل، بحسب بلومبرج.

لكن السؤال الأهم، هل تستطيع تل أبيب تدميرها دون دعم أمريكي مباشر؟ بينما يُنتظر قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إمكانية انضمام بلاده إلى الضربة، يُجمع العديد من الخبراء العسكريين على أنَّ إسرائيل لا تمتلك وحدها الوسائل الكافية لاختراق هذه القلعة النووية؛ إذ إنّ طائراتها الهجومية لا تحمل القنابل الخارقة للتحصينات بوزن 30 ألف رطل، كما لا تمتلك طائرات الشبح B-2 القادرة على تنفيذ عمليات تسلل جوّي دقيقة إلى هذا المستوى من العمق.

تصريحات تُعقِّد المشهد

في خضم التصريحات والتوقّعات الصادرة بشأن عدم قدرة إسرائيل على ضرب المنشأة، خرجت تل أبيب بموقف رسمي حاسم، فقد صرّح تساحي هنغبي، مستشار الأمن القومي الحالي لإسرائيل، بأنَّ بلاده “قادرة على تنفيذ المهمة، وستفعلها بمفردها”، في تأكيد غير مسبوق على استعداد إسرائيل للتحرك العسكري منفردة.

هذا التصريح سبقه حديث أكثر غموضًا لمسؤول أمني إسرائيلي رفيع، طلب عدم الكشف عن اسمه، قال فيه: “لا تزال هناك العديد من الخيارات على الطاولة”، ملمحًا إلى خطط بديلة لا تعتمد على قاذفات القنابل الأمريكية.

من جهته، أيّد يعقوب عميدرور، مستشار الأمن القومي السابق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، هذه الفرضية، قائلاً: “حتى دون الولايات المتحدة، إسرائيل قادرة على إيجاد حلّ إبداعي لتدمير فوردو”، لكن دون الكشف عن التفاصيل.

“الكوماندوز” بدل القنابل

الفرضية البديلة التي تتداولها بعض دوائر الخبراء تتعلق بعملية برية خاصة، تُحاكي سيناريو نفذته القوات الخاصة الإسرائيلية في سوريا عام 2023 حين استهدفت منشأة إيرانية داخل جبل في العمق السوري.

تلك العملية، التي استغرقت أربعة أشهر من التحضير والتكتم، نُفّذت بدعم من عشرات الطائرات، وبمشاركة 120 عنصرًا من نخبة الجيش الإسرائيلي، واللقطات التي عُرضت لاحقًا أظهرت القوات داخل نفق خرساني عميق، ما يفتح باب المقارنة مع طبيعة منشأة فوردو.

ووفقًا لديفيد أولبرايت، رئيس “معهد العلوم والأمن الدولي”، فإن هذا السيناريو قابل للتكرار، حيث صرّح لمجلة “تابليت” أنَّ إسرائيل يمكنها تنفيذ عملية كوماندوز لتلغيم السقف أو زعزعة البنية الحاملة للمنشأة، قائلاً: “إذا لم يكن بالإمكان الدخول إليها إلا بعد أشهر من العمل، فذلك يُعادل تدميرها عمليًا”.

اقرأ أيضًا: تشويش الملاحة بمضيق هرمز جراء الحرب الإيرانية الإسرائيلية يشعل مخاوف النفط

الهجمات الجوية المتكررة.. خيار مُكلف

سيناريو آخر يدور حول اعتماد إسرائيل على مقاتلات “F-15″ و”F-35” في شنّ ضربات جوية متكررة تستهدف المنشأة، وعلى الرغم من أن هذه الطائرات لا تحمل قنابل خارقة بالوزن اللازم لاختراق فوردو من الضربة الأولى، فإن القصف المتتابع بقنابل زنة 2000 إلى 4000 رطل قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في الطبقات الدفاعية.

لكن هذا السيناريو يفترض نجاحًا مسبقًا في تحييد الدفاعات الجوية الإيرانية، وتوفير مسارات آمنة لموجات القصف، ما يتطلب حملة تمهيدية واسعة النطاق تُهدّد بتوسيع دائرة الصراع في المنطقة.

لماذا ترى إسرائيل أن الصمت تجاه فوردو أخطر؟

ترى تل أبيب، بحسب محللي “بلومبرغ”، أنَّ الإبقاء على منشأة فوردو دون استهداف هو الخطر الأكبر، ففوردو تُعد من أهم المنشآت الإيرانية وأكثرها تحصينًا، وقد أثبتت طهران مرارًا أن طموحاتها النووية لا تتوقف عند سقف التخصيب المدني.

وقد أُعيد تفعيل المنشأة، بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، حيث استأنفت إيران تخصيب اليورانيوم فيها بمعدلات عالية تتجاوز 60%، وهو ما يُعتبر خطوة تقنية واحدة فقط من تصنيع سلاح نووي.

تعقيدات التنفيذ بدون واشنطن

مع غياب الدعم الأمريكي المباشر، تزداد تعقيدات أي خطة إسرائيلية، فالمسافة من قواعد تل أبيب إلى قم تتجاوز 1500 كيلومتر، ما يفرض تحديات في التزود بالوقود، وإدارة الاتصالات، وتحقيق المفاجأة التكتيكية.

كما أن الطيران الإسرائيلي، سيتعين عليه عبور أجواء الأردن والعراق أو السعودية، وهي مسارات قد تُخضع إسرائيل لمساءلات دولية وتضع دول الجوار في مأزق سياسي وعسكري.

اقرأ أيضًا: تداعيات المواجهة بين إيران وإسرائيل.. هل يُعاد رسم ملامح الشرق الأوسط؟

لماذا منشأة فوردو هدف صعب التدمير؟

بُنيت منشأة فوردو في قلب جبل من الصخور، وأُنشئت في الأصل لتحصين برنامج التخصيب من أي ضربات جوية، وهي تقع على عمق يزيد عن 80 مترًا تحت الأرض، وتحوي مئات أجهزة الطرد المركزي التي تُخصّب اليورانيوم بدرجات عالية.

وقد صُممت المنشأة بحيث تُواصل العمل حتى في حالة قصف جزئي، بفضل تعدد القاعات وفصل وحدات الطاقة والتحكم، وهو ما يعني أن تدميرها يتطلب إما قنابل خارقة للتحصينات أو عمليات تخريب دقيقة من الداخل، وهو سيناريو يعيد إلى الأذهان مسلسل “نطنز”، حيث استخدمت إسرائيل فيروس “ستاكس نت” لتخريب أجهزة الطرد المركزي إلكترونيًا.

ماذا لو فشلت الضربة؟

على المدى القصير، يرى مراقبون أنَّ أيّ ضربة إسرائيلية ضد “فوردو”، دون غطاء أمريكي، ستُعتبر مقامرة استراتيجية، لأنها قد تؤدي إلى حرب شاملة دون تحقيق الأهداف التقنية كاملة.

كما أن تل أبيب قد تجد نفسها في مواجهة ردود فعل دولية قاسية، خاصة إذا أوقعت الضربة خسائر مدنية أو بيئية، لكن في الوقت نفسه نجد أنّ إسرائيل تُراهن على عامل “الردع المعنوي”، أي أنَّ مجرد التلويح بامتلاك القدرة على ضرب المنشآت النووية الإيرانية كفيلٌ بفرض ضغوط على طهران.

هل تعلم ما هي الدول الأكثر امتلاكًا للأسلحة النووية؟ اطّلع على القائمة الكاملة!

قرار واشنطن يحسم المعادلة

حتى الآن، لم يُعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفه النهائي، لكن في حال قرر عدم المشاركة فإنَّ الباب سيُفتح أمام خيارات إسرائيلية منفردة، تمتزج فيها الجرأة بالحسابات الدقيقة، خاصة في ظل التوتر الإقليمي الهش والانقسام داخل النظام الدولي.

وحتى يتخذ ترامب قراره، يبقى المشهد معلّقا على مفترق حساس، إما أن يُنفّذ الهجوم بدعم كامل وقوة نارية قادرة على “تدمير الجبل”، أو تلجأ إسرائيل إلى عملية خاطفة “تشل” فوردو من الداخل وتُحوّلها إلى ركام لا يصلح للتخصيب.

قد يهمّك أيضًا: الصراع بين إيران وإسرائيل يدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الانفجار

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة