هل تهبط أسعار النفط بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني؟

تترقب الأسواق العالمية التوصل إلى اتفاق ينهي المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران ويعيد تدفق إمدادات الطاقة إلى مساراتها الطبيعية، في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على أسعار النفط منذ اندلاع الأزمة. وقد ألقت التطورات العسكرية بظلالها على حركة الأسعار وحجم المعروض العالمي، ما زاد من الضغوط على الاقتصاد الدولي وأثار مخاوف بشأن استقرار سلاسل الإمداد والطاقة.

ويرى ياسين أحمد، خبير أسواق الطاقة، أن التطورات المرتبطة بالحرب وإغلاق مضيق هرمز كانت العامل الرئيس وراء موجات التذبذب الحادة التي شهدتها أسواق النفط خلال الأشهر الماضية، ويوضح أن الأسعار أصبحت شديدة الحساسية لأي تطور سياسي أو دبلوماسي يتعلق بالمضيق أو بمسار المفاوضات الجارية لإنهاء الأزمة.

كما أشار الخبير إلى أن الضغوط الدولية المتزايدة من مختلف القوى العالمية المتضررة من الحرب دفعت نحو تكثيف الجهود لإبرام اتفاق يضمن إعادة فتح المضيق واستعادة حركة الملاحة الطبيعية، وهو ما جعل أسعار النفط تتأرجح بشكل مستمر بين الصعود والهبوط مع كل تصريح أو تسريب أو خبر يتعلق بإمكانية التوصل إلى اتفاق.

أسعار النفط والاتفاق الأمريكي

لفت أحمد إلى أن أسعار النفط وصلت خلال ذروة الأزمة إلى نحو 120 دولارًا للبرميل، قبل أن تتراجع لاحقًا إلى ما دون 100 دولار، فيما سجلت خلال الأسبوع الماضي مستويات قاربت 118 دولارًا، بينما تدور حاليًا حول 91 دولارًا للبرميل، في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية. وأضاف أن هذه التقلبات التي تجاوزت 30% صعودًا وهبوطًا ستظل قائمة طالما لم يتم إنهاء الحرب بشكل كامل وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة طبيعية.

وأوضح أحمد أن حركة الملاحة بدأت تشهد تحسنًا تدريجيًا مع عبور عدد محدود من السفن يوميًا، حيث تتراوح أعداد السفن العابرة بين خمس وسبع سفن في اليوم، مؤكدًا أن زيادة أعداد السفن المارة بالمضيق تسهم بشكل مباشر في تهدئة المخاوف داخل الأسواق العالمية، وهو ما ينعكس على انخفاض تدريجي في أسعار النفط. وأضاف أن الأزمة منذ اندلاعها في نهاية فبراير الماضي ارتبطت بشكل أساسي بالمخاطر الناتجة عن توقف أو تعطل حركة السفن، ما تسبب في ارتفاعات حادة للأسعار مع تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات العالمية.

وحول السيناريو المتوقع لأسعار النفط في حال عودة التدفقات النفطية إلى مستويات ما قبل الحرب، أكد أحمد أن العامل الأكثر تأثيرًا في المرحلة الحالية هو التوصل إلى اتفاق نهائي يضمن استقرار الملاحة البحرية، موضحًا أن توقيع الاتفاق وعودة السفن إلى العمل بشكل طبيعي سيؤديان إلى انخفاض سريع في الأسعار لتقترب من مستوى 85 دولارًا للبرميل، لكنه استبعد في الوقت نفسه العودة السريعة إلى مستويات ما قبل الحرب التي كانت تدور بين 65 و70 دولارًا للبرميل.

اقرأ أيضًا: ماذا لو لم يُفتح مضيق هرمز بالكامل مجددًا؟

نقص الإمدادات يهدد الأسواق العالمية

أشار أحمد إلى أن الأسواق العالمية ما زالت تعاني من نقص نسبي في الإمدادات، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة والصين واليابان، حيث تراجعت المخزونات النفطية إلى مستويات منخفضة وحساسة، لذلك فإن الأسعار، حتى في حال نجاح الاتفاق وعودة الملاحة بالكامل، ستظل تدور حول مستوى 85 دولارًا مع هامش تقلب قد يصل إلى نحو خمسة دولارات صعودًا أو هبوطًا، دون أن تعود في الأجل القريب إلى المستويات المتدنية التي سبقت اندلاع الأزمة.

وأضاف أن حل الأزمة لن يؤدي إلى استقرار فوري وكامل للأسواق، بل ستظل الأسعار عرضة للتذبذب خلال الفترة التالية للاتفاق، تمامًا كما تذبذبت خلال فترة الأزمة نفسها، وأوضح أن العالم سيتجه أيضًا نحو فصل الشتاء، وهو عامل إضافي قد يدعم أسعار النفط مجددًا، خصوصًا في أوروبا التي تعاني من انخفاض مستويات مخزوناتها من الغاز الطبيعي والنفط الخام، لافتًا إلى أن احتياجات التدفئة وزيادة الطلب الموسمي قد تدفع الأسعار للارتفاع مجددًا فوق مستويات 85 أو حتى 90 دولارًا للبرميل خلال الأشهر المقبلة.

وفيما يتعلق بحجم الإمدادات التي يمكن أن تعود إلى الأسواق العالمية بعد إعادة فتح المضيق بالكامل، أوضح أحمد أن التأثير لن يقتصر على النفط الخام فقط، بل سيمتد إلى مجموعة واسعة من المنتجات المرتبطة بقطاع الطاقة، وأشار إلى أن دول الخليج تمتلك طاقات إنتاجية احتياطية كبيرة، ما يسمح بعودة التدفقات النفطية تدريجيًا لتصل إلى نحو 20 مليون برميل يوميًا خلال شهر واحد من إعادة فتح المضيق واستعادة النشاط الملاحي الطبيعي.

اقرأ أيضًا: المفاوضات الأمريكية الإيرانية.. تضارب التصريحات وضبابية الاتفاق

كيف تأثرت المنتجات بأزمة النفط؟

أكد الخبير أن النفط الخام ليس العنصر الوحيد المتأثر بالأزمة، إذ تشمل التداعيات أيضًا منتجات البتروكيماويات والغاز الطبيعي والأسمدة والكبريت والمعادن المختلفة المرتبطة بصناعة الطاقة، وأوضح أن عودة تدفقات هذه المنتجات إلى مستوياتها الطبيعية قد تستغرق فترة أطول مقارنة بالنفط الخام، وقد تصل إلى ثلاثة أشهر، نظرًا لتعقيدات سلاسل الإمداد العالمية واحتياجات الأسواق المختلفة لإعادة بناء المخزونات وتعويض النقص الذي تراكم خلال فترة الحرب.

وأضاف أن استعادة حركة التجارة والصادرات والواردات بين دول الخليج والعالم لن تحدث بشكل كامل وفوري، بل ستحتاج إلى فترة انتقالية قد تمتد إلى ثلاثة أشهر حتى تعود الأوضاع إلى طبيعتها السابقة، مؤكدًا أن هذا السيناريو يظل مرهونًا باستمرار الاتفاق وعدم عودة التوترات العسكرية أو اندلاع موجة جديدة من الصراع، لأن أي تصعيد جديد سيعيد الأسواق إلى دائرة القلق والتقلبات الحادة التي شهدتها خلال الأشهر الماضية.

أهمية سلامة البنية التحتية النفطية

شدد الخبير على أن أحد أهم العوامل التي حدّت من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات أكثر حدة خلال الأزمة يتمثل في عدم تعرض البنية التحتية الرئيسة للطاقة لأضرار كبيرة، وأوضح أن نحو 90% من منشآت النفط والغاز والبنية التحتية المرتبطة بها ظلت خارج دائرة الاستهداف المباشر، وهو ما حافظ على القدرة الإنتاجية للدول المنتجة ومنع الأسعار من تجاوز مستويات قياسية أعلى من تلك التي تم تسجيلها خلال الأزمة.

وأشار إلى أن إغلاق مضيق هرمز كان العامل الرئيسي الذي دفع الأسعار إلى الاقتراب من 125 دولارًا للبرميل، بينما ساعد بقاء البنية التحتية النفطية سليمة في منع حدوث قفزات أكبر قد تتجاوز 150 دولارًا للبرميل.

واختتم أحمد تصريحاته، بالتأكيد على أن المرحلة الأولى بعد فتح المضيق ستشهد مزيجًا من وسائل النقل وخطوط التصدير البديلة التي تم تطويرها خلال الأزمة، قبل أن تستعيد الأسواق توازنها تدريجيًا. كما توقع أن تحتاج الأسواق العالمية إلى ما بين شهر وثلاثة أشهر لاستعادة مستويات النشاط والإمدادات التي كانت قائمة قبل الحرب، شريطة استمرار الاتفاق وعدم ظهور أي تطورات أو اضطرابات جديدة تهدد استقرار المنطقة أو حركة التجارة العالمية.

اقرأ أيضًا: هل تنهي اتفاقية واشنطن وطهران المرتقبة أزمة هرمز؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة