تبدأ الحروب عادة على خطوط النار، لكنها لا تستمر هناك طويلاً، فبعد أسابيع قليلة فقط تنتقل آثارها إلى مكان آخر أكثر حساسية وهو الاقتصاد، وهذا ما بدأ يحدث بالفعل في الولايات المتحدة مع تصاعد الحرب غير المعلنة على إيران.
بعيداً عن ساحة المواجهة العسكرية، تتراكم إشارات اقتصادية توحي بأن الكلفة الحقيقية للصراع قد لا تقاس بعدد الضربات العسكرية أو الخسائر الميدانية، بل بالضغط المالي الذي بدأ يظهر تدريجياً في الأسواق والميزانية العامة.
المفارقة أنَّ هذا الجدل يأتي في لحظة سياسية داخلية تركز فيها الخطابات الاقتصادية الأمريكية على مفهوم “القدرة على التحمل”؛ ففي حين يركز كثير من السياسيين على قدرة الأسر الأمريكية على مواجهة ارتفاع الأسعار يطرح عدد متزايد من المحللين سؤالاً حول قدرة الاقتصاد الأمريكي نفسه على تحمل فاتورة حرب جديدة، خاصة وأنّ الحرب جاءت في وقت تواجه فيه المالية العامة بالفعل ضغوطاً متراكمة.
الحرب تأتي في لحظة اقتصادية هشة
لم يدخل الاقتصاد الأمريكي هذه المواجهة من موقع مالي مريح، فقد كانت وزارة الخزانة تواجه بالفعل ضغوطاً متزايدة على الموازنة قبل اندلاع الصراع، ويرجع ذلك جزئياً إلى التخفيضات الضريبية التي أقرتها الإدارة، والتي تُقدَّر بنحو 4.5 تريليون دولار خلال عشر سنوات؛ حيث قلّصت هذه التخفيضات الإيرادات الحكومية في وقت يواصل فيه الإنفاق العام الارتفاع، ما أدى إلى تضخم العجز المالي، ومع اندلاع الحرب أصبحت هذه الفجوة أكثر حساسية لأنَّ أي إنفاق عسكري إضافي سيُموَّل غالباً عبر الاقتراض.
وقد تعقّد الوضع أكثر بعد قرار المحكمة العليا إلغاء الرسوم الجمركية الشاملة بنسبة 10% التي فرضتها الإدارة على الواردات الأجنبية؛ فهذه الرسوم كانت تمثل أحد مصادر الإيرادات التي ساعدت جزئياً في موازنة الخفض الضريبي، وإلغاؤها يعني أن الحكومة قد تخسر مورداً مالياً إضافياً في وقت تتزايد فيه النفقات.
سوق السندات ترفع تكلفة الحرب
الأسواق المالية بدأت بالفعل في إرسال إشارات واضحة حول هذه الضغوط، فقد ارتفعت عوائد السندات الحكومية الأمريكية لأجل عشر سنوات، وهو مؤشر أساسي على تكلفة الاقتراض الحكومي، وارتفاع العائدات يعني ببساطة أن الحكومة ستدفع فوائد أعلى لتمويل عجزها، ومع زيادة الإنفاق العسكري قد يتسارع هذا الاتجاه.
اللافت أن هذا التحرك في سوق السندات تزامن مع قفزة في أسعار النفط بعد إغلاق مضيق هرمز، وهو الممر الذي يعبر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، فارتفاع النفط فوق 100 دولار للبرميل في ذروة التوترات يعيد إلى الأذهان نمطاً اقتصادياً معروفاً، حيث إنّ كل أزمة طاقة كبرى تتحول سريعاً إلى أزمة مالية للحكومات المستوردة، وفي حالة الولايات المتحدة فرغم كونها منتجاً كبيراً للطاقة إلّا أنّ ذلك لا يعزلها تماماً عن هذا التأثير.
اقرأ أيضًا: تداعايات الحرب على إيران تصل إلى جيوب الأمريكيين
حرب قد تعيد التضخم
أحد أكثر التناقضات وضوحاً في هذه الأزمة يتمثل في البعد السياسي، فالرئيس دونالد ترامب فاز في انتخابات 2024 جزئياً على أساس وعده بخفض التضخم، غير أن ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الحرب قد يدفع الاقتصاد الأمريكي نحو موجة تضخمية جديدة.
هذا النوع من التضخم المرتبط بالطاقة يعد من أصعب الأنواع على صانعي السياسات، لأنه يأتي من الخارج وليس من الطلب المحلي، وكل ارتفاع في النفط ينعكس سريعاً على أسعار الوقود والنقل والكهرباء، ومع الوقت تنتقل هذه الزيادات إلى أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية، وهكذا قد تجد الإدارة نفسها في موقف معقد، فرغم أنّ التصريحات تؤكد أنّ هذه الحرب تُخاض لأهداف أمنية، لكنها تعيد إشعال المشكلة الاقتصادية التي وعدت بحلها.
اقرأ أيضًا: كيف تؤثر أسعار الفائدة على التضخم والاقتصاد العالمي
سوق العمل يرسل إشارات إنذار
تزامن التصعيد العسكري مع بيانات ضعيفة نسبياً من سوق العمل، فقد أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل فقدان الاقتصاد 92 ألف وظيفة في فبراير، وهذا الرقم يكتسب أهمية أكبر عندما يتزامن مع صدمة في أسعار الطاقة، فإذا ارتفعت تكاليف الإنتاج والنقل قد تصبح الشركات أكثر حذراً في التوظيف، وإذا ترافق ذلك مع تباطؤ اقتصادي عام فقد تبدأ الشركات في تقليص العمالة، وفي هذه الحالة يبرز خطر اقتصادي كلاسيكي يتمثّل في الركود التضخمي.
الجدير بالذكر أنّ الركود التضخمي هو أحد أكثر السيناريوهات الاقتصادية تعقيداً، لكونه يجمع بين التضخم المرتفع والنمو الاقتصادي الضعيف في الوقت نفسه، وقد ارتبط هذا النمط تاريخياً بأزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، حينها أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى موجة تضخم واسعة في الاقتصادات الغربية، في وقت تباطأ فيه النمو الاقتصادي.
أسواق الأسهم تبدأ تسعير المخاطر
الأسواق المالية بدورها بدأت في عكس هذه المخاوف، فقد تراجع مؤشر داو جونز الصناعي ليغلق عند مستوى 47,740.80 نقطة بعد موجة هبوط منذ بداية الحرب.
والأسهم غالباً ما تكون مرآة مبكرة للمخاطر الاقتصادية، فعندما يتوقع المستثمرون ارتفاع تكاليف الطاقة أو تباطؤ النمو يبدأون في تقليص تعرضهم للمخاطر، وهذا لا يعني أن الأسواق تتوقع ركوداً فورياً، لكنه يشير إلى أن المستثمرين بدأوا في حساب كلفة الحرب ضمن تقييماتهم للاقتصاد الأمريكي.
قد يهمّك أيضًا: دورة سوق الأسهم.. فهم عميق للأسواق الصاعدة والهابطة
التاريخ يروي قصة مختلفة للحروب
النقاش حول كلفة الحرب ليس جديداً في الولايات المتحدة، فقد شهدت البلاد جدلاً مشابهاً خلال حرب العراق في بداية الألفية، وفي تلك الفترة قدّر بعض المسؤولين أن تكلفة الحرب قد تصل إلى 200 مليار دولار، لكن التقديرات الرسمية آنذاك كانت تشير إلى 50 مليار دولار فقط.
النتيجة لاحقاً كانت مختلفة تماماً، حيث تشير دراسات اقتصادية إلى أن التكلفة الفعلية للحرب بلغت نحو 3 تريليونات دولار بحلول عام 2008، كما أشارت تقديرات أخرى إلى أن الكلفة الإجمالية ربّما وصلت إلى 6 تريليونات دولار أو حتى 8 تريليونات دولار وفق منهجيات مختلفة.
تاريخياً كانت الولايات المتحدة تمول الحروب عبر طريقتين رئيسيتين؛ هما إصدار سندات حرب وزيادة الضرائب، لكن النمط تغير خلال العقود الأخيرة؛ فقد أصبحت الحروب تمول بدرجة كبيرة عبر الاقتراض الحكومي، وهذا يعني ببساطة أن كلفة الحروب تُرحَّل إلى المستقبل عبر الدين العام، وفي حالة الحرب الحالية حتى السيناريو المتفائل لحرب قصيرة قد يحمل فاتورة كبيرة، حيث تُشير التقديرات إلى أن كلفة العمليات قد تتراوح بين 50 و75 مليار دولار إذا انتهت خلال بضعة أسابيع.
الحرب اليومية.. حسابات الميدان
الأرقام اليومية للإنفاق العسكري تعطي فكرة أوضح عن سرعة تراكم الكلفة، فتشغيل مجموعة حاملة طائرات واحدة يكلف نحو 9 ملايين دولار يومياً، ووجود ثلاث مجموعات في المنطقة يعني إنفاقاً يقارب 27 مليون دولار يومياً. إلى جانب ذلك، تشير التقديرات إلى أن الذخائر المستخدمة يومياً تكلف نحو 775 مليون دولار، أما خسارة ثلاث طائرات مقاتلة من طراز F-15 فتقدر بنحو 350 مليون دولار.
السيناريو الأكثر حساسية اقتصادياً يتمثل في احتمال تحول العمليات إلى حرب طويلة، فإذا قررت الولايات المتحدة نشر قوات برية في إيران فقد يتحول الصراع إلى تجربة شبيهة بحرب العراق، انتصار عسكري سريع يتبعه صراع طويل مع التمردات، وفي هذا السيناريو قد تصل الكلفة إلى نحو 3 تريليونات دولار لكل عقد من الصراع، وهذا النوع من الالتزامات المالية قد يعيد تشكيل السياسة الاقتصادية الأمريكية بالكامل.
اقرأ المزيد: تكلفة الضربات الأمريكية على إيران تتجاوز 6 مليارات دولار في أسبوع
ميزانية الدفاع.. تضخم جديد محتملي
الحرب قد تدفع أيضاً إلى زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، فالإدارة تسعى بالفعل إلى رفع ميزانية الدفاع بنسبة 50%، وحتى إذا وافق الكونغرس على زيادة أقل -لنقل 150 مليار دولار بدلاً من 500 مليار- فإن التكلفة الإضافية خلال عقد قد تتجاوز تريليون دولار، وهذا يعني أن الحرب قد لا تكون حدثاً مالياً قصير الأجل، بل نقطة تحول في هيكل الإنفاق الحكومي.
الاقتصاد الأمريكي لا يزال الأكبر في العالم، وهو يتمتع بقدرة كبيرة على التمويل والاقتراض، لكن التاريخ يظهر أن الحروب الطويلة تترك دائماً آثاراً مالية وسياسية عميقة، وحتى لو انتهت الحرب الحالية على إيران بسرعة فإنّ الكلفة الاقتصادية بدأت تظهر بالفعل، من ارتفاع النفط إلى اضطراب الأسواق، ومن العجز المالي إلى احتمالات الركود التضخمي، وهذا ما يجعل السؤال الحقيقي ليس فقط كم ستكلف هذه الحرب اليوم.. بل كم ستكلف الاقتصاد الأمريكي في العقد المقبل؟
اقرأ أيضًا: هل ينجح الإفراج عن الاحتياطي النفطي في كبح ارتفاع أسعار النفط؟