تتسع خسائر إغلاق مضيق هرمز يومًا بعد يوم لتمتد إلى شرايين التجارة العالمية وممراتها الحيوية، في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية بين واشنطن وطهران، وتزداد المخاوف من انتقال تداعيات الأزمة إلى مضائق أخرى مثل مضيق باب المندب ومضيق ملقا، بما ينذر باضطراب واسع في حركة الإمدادات العالمية وارتفاع غير مسبوق في تكاليف الطاقة والنقل.
وفي هذا الشأن، أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي والاقتصادي، أن أي إغلاق مضيق هرمز يمثل تهديدًا مباشرًا لمنظومة التجارة والطاقة العالمية بالكامل، نظرًا لامتداد تأثيره على المضائق الأخرى، وأشار إلى أن انعكاسات التوتر في مضيق هرمز بدأت تظهر بالفعل في مضيق باب المندب، حيث تراجعت حركة السفن بشكل ملحوظ، وهو ما يمثل مؤشرًا خطيرًا على هشاشة أمن الممرات البحرية.
وأكد أن احتمالات التصعيد في هذه المنطقة، خاصة مع تهديدات جماعة أنصار الله، قد تؤدي إلى مضاعفة الأزمة، نظرًا لأهمية المضيق في ربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وتأثيره المباشر على قناة السويس والتجارة العالمية.
كيف تنتقل عدوى الأزمات من هرمز إلى ملقا والبوسفور؟
فيما يتعلق بمضيق ملقا، أوضح شوقي أن المخاوف من انتقال الأزمة إليه تعكس ما يُعرف بتأثير “الدومينو”، حيث يمكن لأي اضطراب في هرمز أن يفرض ضغوطًا هائلة على هذا الممر الحيوي الذي يمر عبره نحو 30% من التجارة العالمية، ويمثل شريانًا رئيسيًا لواردات الطاقة في آسيا، خاصة الصين، وأضاف أن التحركات الأمنية التي تقوم بها إندونيسيا وماليزيا تؤكد جدية المخاطر المتوقعة.
أما مضيق جبل طارق، فرغم بعده الجغرافي لم يكن بمنأى عن التأثيرات، وفقًا لشوقي الذي أوضح أنّ التغير في طبيعة الشحنات واتجاهاتها، خاصة زيادة الاعتماد الأوروبي على الغاز الأمريكي، يعكس إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية نتيجة التوترات في الخليج.
وفي تحليله لمضيق البوسفور، أكد شوقي أن تركيا تسعى لاستثمار الأزمة لتعزيز موقعها كمركز إقليمي لنقل الطاقة والتجارة، وذلك من خلال مشاريع استراتيجية مثل “مضيق إسطنبول”، إلى جانب تطوير البنية التحتية للنقل، ولكنه شدد في الوقت نفسه على أن استمرار الصراعات يمثل تهديدًا حقيقيًا لأي مكاسب محتملة، خاصة في ظل المخاطر الأمنية مثل الألغام البحرية وتعطل سلاسل الإمداد.
واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن إغلاق مضيق هرمز، أو حتى تهديده، لا يمكن اعتباره أزمة إقليمية فقط، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد العالمي على التكيف مع الصدمات الجيوسياسية، مشددًا على أن البدائل المتاحة لن تكون كافية لتعويض هذا الممر الحيوي، ما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وزيادة الضغوط التضخمية عالميًا، إلى جانب اضطراب واسع في حركة التجارة الدولية.
اقرأ أيضًا: تأثير اضطرابات هرمز على اقتصادات أفريقيا.. طاقة مرتفعة وغذاء مهدد
المشهد الميداني في إيران
قال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن مضيق هرمز يمر بمرحلة بالغة الحساسية في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدًا أن هذا الملف لم يعد سياسيًا فقط، بل تحول إلى أزمة اقتصادية عالمية تؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وأوضح عبد الهادي أن المشهد الميداني يشهد تصاعدًا ملحوظًا، مع ورود تقارير عن استخدام مضادات أرضية وتضارب الروايات بشأن العمليات العسكرية، إلى جانب الحديث عن طائرات مسيّرة يُعتقد أن بعضها ذو منشأ إسرائيلي وفق روايات إعلامية إيرانية، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات وجود اختراقات داخلية أو تحركات معارضة داخل إيران.
وأشار إلى أن احتمالات إغلاق مضيق هرمز أو تعطيله جزئيًا قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الاقتصاد العالمي يمتلك قدرات مرنة على التكيف مع مثل هذه الصدمات، مستشهدًا بتجارب سابقة نجحت فيها الأسواق في امتصاص تداعيات أزمات مشابهة.
مرونة الاقتصاد العالمي في مواجهة صدمات الطاقة
فيما يتعلق بأسواق النفط، أوضح عبد الهادي أن الأسعار شهدت تقلبات حادة، حيث ارتفعت إلى مستويات قاربت 120 دولارًا للبرميل مع تصاعد التوترات، قبل أن تتراجع إلى نطاق يتراوح بين 90 و100 دولار، مع تسجيل قمم مؤقتة وصلت إلى 130 دولارًا، معتبرًا أن هذه التحركات تعكس حالة من القلق المؤقت أكثر من كونها اتجاهًا طويل الأمد.
وأضاف أن معدلات التضخم في الولايات المتحدة ظلت عند حدود 4% تقريبًا، ما يشير إلى قدرة نسبية على امتصاص الصدمات، مؤكدًا أن الأسواق العالمية تعتمد على آليات مرنة لإعادة التوازن تدريجيًا في مواجهة الأزمات.
كما أشار إلى وجود تفاوت واضح في تأثير الأزمة على الدول، حيث تتضرر بعض الدول الخليجية بشكل مباشر نتيجة اضطراب حركة التصدير، في حين تستفيد دول أخرى من ارتفاع الأسعار، ما يعكس طبيعة غير متجانسة للتأثيرات الاقتصادية على المستوى الإقليمي.
وأكد أن الاقتصاد الإيراني هو الأكثر تأثرًا حتى الأن، مع استمرار الضغوط المرتبطة بالعقوبات والتوترات، مشيرًا إلى أن مدة استمرار الأزمة ستحدد مدى عمق هذا التأثير، سواء كان قصير الأجل أو ممتدًا لفترات أطول.
اقرأ أيضًا: كيف أعادت حرب إيران تقسيم اقتصاد العالم؟
استراتيجية “الاستنزاف” الأمريكية
فيما يتعلق بالبعد السياسي، أوضح عبد الهادي أنّ الاستراتيجية الأمريكية تقوم على عدم التسرع في التوصل إلى اتفاق مع إيران، بل الاعتماد على سياسة الضغط التدريجي والاستنزاف بهدف فرض شروط أكثر صرامة، وهو ما يرتبط أيضًا بحسابات داخلية أمريكية.
وأشار إلى أنّ احتمالات التصعيد العسكري لا تزال قائمة، إلا أنّ كلفته المرتفعة على جميع الأطراف تجعل من خيار الحرب الشاملة أقل ترجيحًا في الوقت الحالي، مقارنة باستمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية المحدودة.
كما لفت إلى أن الولايات المتحدة تدير الأزمة من خلال مزيج من الأدوات، تشمل العقوبات الاقتصادية وتعزيز الوجود العسكري، مستفيدة من انتشار قواتها البحرية عالميًا، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على مراقبة وتأمين خطوط الملاحة الدولية.
وفي السياق ذاته، أشار إلى وجود عمليات استهداف أو احتجاز لسفن مرتبطة بإيران، تلاها تراجع في بعض الحالات، ما يعكس إدارة محسوبة للتصعيد دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة النطاق.
هل تصمد الجبهة الإيرانية الداخلية؟
أكّد عبد الهادي أنّ الاقتصاد الإيراني لم يصل بعد إلى مرحلة الانهيار الكامل، لكنه قد يواجه ضغوطًا متزايدة في حال تشديد القيود على التجارة البحرية، خاصة إذا تم تعطيل حركة الملاحة بشكل كامل في المضيق، وهو ما تعتبره طهران عملاً عدائيًا مباشرًا.
ووصف عبد الهادي الوضع الحالي بأنه يمثل “هدوءًا يسبق العاصفة”، في ظل استمرار التحركات العسكرية ومحاولات الضغط غير المباشر، مشيرًا إلى أن التماسك الداخلي في إيران سيكون عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الأزمة، وأوضح أن التجارب التاريخية تشير إلى أن قوة الجبهة الداخلية تلعب دورًا كبيرًا في حسم الصراعات، سواء عبر دعم الاستمرار أو الدفع نحو التسوية.
قد يهمّك أيضًا: تفاصيل المقترح الإيراني لفتح مضيق هرمز.. هل تقبل أمريكا؟
خسائر أوروبية فادحة ودور صيني مرتقب كصانع سلام
فيما يتعلق بالتداعيات العالمية للصراع، أكد عبد الهادي أنّ تأثير أي إغلاق لمضيق هرمز لن يقتصر عليه فقط، بل سيمتد إلى ممرات مائية أخرى مثل مضيق ملقا وقناة بنما، نتيجة الترابط الوثيق في حركة التجارة العالمية.
وأشار إلى تقديرات تُشير إلى خسائر يومية كبيرة قد تتكبدها أوروبا نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، تصل إلى نحو 600 مليون دولار يوميًا، كما لفت إلى أنّ المجتمع الدولي لم يتحرك حتى الآن بشكل حاسم، حيث تقتصر الجهود على التصريحات السياسية ومحاولات الوساطة، دون تحقيق اختراق فعلي في مسار الأزمة.
لكنّه أكّد في الوقت نفسه أنّ الصين قد تكون الطرف الأكثر قدرة على لعب دور مؤثر في تهدئة التوترات، نظرًا لعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، وقدرتها على التأثير في أسواق الطاقة العالمية.
وأشار الدكتور محمد عبد الهادي في ختام حديثه إلى أن الأزمة الحالية تعكس حالة من التشابك المعقد بين السياسة والاقتصاد والأمن، مع بقاء جميع السيناريوهات مفتوحة، سواء نحو التهدئة التدريجية أو التصعيد المحدود أو حتى المواجهة العسكرية، وهو ما سيعتمد بشكل كبير على تطورات المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضًا: كيف ربحت الصين من حرب إيران؟