هل يشهد التعاون الاقتصادي بين الأردن وسوريا انطلاقة جديدة؟

يُعَدُّ التعاون الاقتصادي بين الأردن وسوريا ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة، حيث يتمتع البلدان بروابط جغرافية وتاريخية وثيقة تُهيئهما لتعاون اقتصادي مثمر. ومع التحديات التي فرضتها الأوضاع الإقليمية والعقوبات الاقتصادية، أصبحت الحاجة ملحّة لإعادة تفعيل اتفاقية النقل البري بين الأردن وسوريا بهدف إعادة الروابط التجارية بين البلدين، وتهيئة بيئة مواتية لتنمية القطاعات الحيوية.

أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي بين الأردن وسوريا

سلَّط منتدى الاستراتيجيات الأردني الضوء على الفرص الواعدة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الأردن وسوريا، مشددًا على أهمية معالجة العقبات الراهنة، مثل “قانون قيصر” الذي أثّر سلبًا على حجم التبادل التجاري وأعاق تنفيذ مشاريع استراتيجية مشتركة. كما أظهر المنتدى رؤية شاملة لإحياء هذه العلاقات، بما يُسهم في تعزيز التجارة، ودعم إعادة الإعمار، وتطوير قطاعات حيوية مثل النقل، والصناعة، والخدمات اللوجستية.

علاوة على ذلك، دعا المنتدى إلى ضرورة تكثيف الجهود لتوقيع اتفاقيات شراكة ومذكرات تفاهم بين الأردن وسوريا، بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، والعمل على تحفيزها بما يحقق المصالح المشتركة ويعود بالفائدة على الشعبين الشقيقين.

إلغاء قانون قيصر ورفع العقوبات الاقتصادية

أشار في دراسة بعنوان “آفاق التعاون التجاري والاقتصادي بين الأردن وسوريا” إلى تداعيات قانون قيصر، الذي وصفه بأنه عقبة رئيسة عطّلت الروابط الاقتصادية بين البلدين وأضرَّت بعدد من القطاعات الحيوية، مثل الزراعة والصناعة. وطالب المنتدى بإلغاء هذا القانون ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، باعتبارها خطوة ضرورية لفتح آفاق جديدة لتعزيز التعاون التجاري بين الأردن وسوريا والدول العربية.

وأكَّدت الدراسة أن استمرار العقوبات يعرقل قدرة الأردن على تطوير علاقاته التجارية مع سوريا، مشيرةً إلى التراجع الملحوظ في حجم التجارة الثنائية، حيث انخفضت صادرات الأردن إلى سوريا من 5.4% من إجمالي الصادرات الوطنية في عام 2007 إلى أقل من 1% في عام 2023، كما تراجعت الواردات من سوريا إلى 0.2% فقط من إجمالي واردات الأردن خلال الفترة ذاتها.

وأضاف المنتدى أن العلاقات التجارية قبل عام 2012 كانت تتميز بتنوع كبير في المنتجات المتبادلة، إذ شملت 75 مجموعة سلعية، إلا أنَّها تقلصت إلى أقل من 45 مجموعة سلعية بحلول عام 2023.

اقرأ أيضًا: سوريا.. من دمار الحرب إلى آمال الإنعاش الاقتصادي

دور الأردن وسوريا كممرات برية استراتيجية

أبرز المنتدى أهمية الموقع الجغرافي لكل من الأردن وسوريا، حيث يعد البلدان ممرًا بريًا أساسيًا يربط دول الخليج العربي بأوروبا وتركيا، وبيّن أنَّ السوق السوري يُعد نافذةً رئيسة للتجارة الأردنية نحو أوروبا وتركيا، في حين يمثل الأردن ممرًا بريًا حيويًا للصادرات السورية إلى أسواق الخليج.

وتطرقت الدراسة إلى تراجع دور معبر جابر الحدودي، الذي كان يمثل 25% من إجمالي حركة التجارة الخارجية الأردنية عبر المنافذ البرية في عام 2011، ولكنَّه انخفض إلى 8% فقط في عام 2023.

إمكانات الأردن في إعادة الإعمار

أكَّد المنتدى أنَّ الأردن يمتلك إمكانيات اقتصادية كبيرة تؤهله للعب دور محوري في عملية إعادة الإعمار في سوريا، موضحًا أنَّ القُرب الجغرافي والخبرات الأردنية في قطاعات الصناعة والعقارات والخدمات اللوجستية تجعله شريكًا مثاليًا لدعم سوريا في هذه المرحلة.

كما أشار إلى أن الأردن يتميز بإنتاج مواد البناء مثل الأسمنت والحديد ومواد العزل والدهانات، بالإضافة إلى وجود شركات عقارية ذات خبرة واسعة في تطوير المشاريع السكنية والتجارية. فضلًا عن أنَّ قطاع النقل الأردني، الذي يمتلك أسطول شاحنات يضمّ أكثر من 29 ألف شاحنة، يمكنه تلبية احتياجات السوق السوري من النقل والشحن.

الدعم في مجالات التكنولوجيا والطاقة

أكَّد المنتدى أهمية الدعم التكنولوجي لسوريا، حيث يتمتع الأردن بشركات مُتقدمة في تطوير الحلول الرقمية التي يمكن أن تُسهم في أتمتة الخدمات الحكومية والبنية التحتية في سوريا. كما أشار إلى إمكانات الأردن في دعم قطاع الطاقة السوري، لا سيَّما في مجال الطاقة المتجددة التي تمثل 29% من إجمالي استهلاك الطاقة في الأردن.

ضرورة إلغاء القيود الجمركية

شدَّد المنتدى على ضرورة مراجعة القرارات السابقة التي تحد من الاستيراد والتصدير بين البلدين، وإلغاء القيود الجمركية ورسوم الترانزيت التي تعيق حركة التجارة. وأوصى بتفعيل اتفاقية النقل البري لعام 1999 لتوحيد الرسوم المفروضة على شاحنات نقل البضائع والركاب، مما يسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين.

وختم المنتدى دعوته بالتأكيد على أهمية اتخاذ خطوات ملموسة لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين الأردن وسوريا، من خلال إزالة الحواجز القائمة وإطلاق مبادرات مشتركة تُعيد الزخم للتجارة البينية وتحقق الاستفادة القصوى من الإمكانات المتاحة.

سوريا أمام مفترق اقتصادي: رواتب أعلى أم تضخم أعمق؟

إعادة تفعيل اتفاقية النقل البري بين الأردن وسوريا

من جانبه، أكد الدكتور ناصر عبد المهيمن، الخبير الاقتصادي، أنَّ تفعيل اتفاقية النقل البري بين الأردن وسوريا خطوة استراتيجية لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، بما يُحَقِّق فوائد مشتركة للشعبين ويُعيد تنشيط حركة التجارة في المنطقة. وأشار الدكتور ناصر إلى أنَّ الاتفاقية، التي تمتد جذورها لسنوات طويلة، تعتبر من الأدوات الحيوية التي تُساهم في تحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي.

وأوضح ناصر في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أنَّ النقل البري شريان أساسي في التبادل التجاري بين الأردن وسوريا، حيث يرتبط البلدان بروابط جغرافية وتاريخية واقتصادية وثيقة، مضيفًا أنَّ إعادة تفعيل هذه الاتفاقية سيدفع عجلة التجارة بين البلدين بشكل كبير، خاصةً في ظل حاجة السوق إلى تسهيلات اقتصادية تسهم في تقليل تكاليف النقل وتحفيز الصادرات والواردات.

ومن ناحية أخرى، أشار الخبير الاقتصادي إلى أنَّ الاتفاقية تفتح الباب أمام فرصة استثمارية واعدة، حيث يمكن للبلدين أن يعملا على تطوير شبكات النقل والبنية التحتية الحدودية، مثل الطرق والمعابر البرية، لتلبية متطلبات النقل السلس والفعال. كما شدَّد بدوره على أنَّ الأردن وسوريا يمتلكان موقعًا استراتيجيًا يجعلهما بوابة تجارية أساسية بين دول الخليج وأوروبا، مما يعني أنَّ أيَّ تحسين في حركة النقل البري لن يعود بالنفع على هذين البلدين فحسب، بل على المنطقة بأسرها.

تحسين البنية التحتية والطرق

أكَّد الدكتور ناصر أنَّ تفعيل الاتفاقية يتطلب معالجة مجموعة من التحديات؛ من بينها تحسين البنية التحتية للطرق والمعابر، وتطوير آليات التنسيق الجمركي بين البلدين لتسهيل حركة البضائع وتقليل زمن الانتظار عند الحدود. كما أشار إلى أهمية تعزيز التعاون الأمني بين الجانبين لضمان سلامة السائقين والشاحنات أثناء عبورها الأراضي السورية والأردنية.

وأضاف الخبير الاقتصادي أنَّ تفعيل الاتفاقية سينعكس إيجابًا على قطاعات حيوية أخرى، منها قطاع النقل والخدمات اللوجستية؛ حيث ستتزايد فرص العمل للسائقين والعاملين في مجال الخدمات المرتبطة بالنقل، بالإضافة إلى انخفاض تكاليف الشحن وزيادة تنافسية المنتجات الأردنية والسورية في الأسواق الإقليمية والدولية.

وفي ختام تصريحاته، دعا الدكتور ناصر عبد المهيمن الحكومتين الأردنية والسورية إلى الإسراع في إعادة تفعيل الاتفاقية، معتبراً أنَّ هذه الخطوة ليست مجرد اتفاق اقتصادي، بل تجسيد لرؤية أوسع تهدف إلى تعزيز التكامل الإقليمي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.

كما أكَّد الخبير أنَّ تجاوز التحديات يتطلب إرادة سياسية قوية وتعاونًا مستمرًا بين الجهات المعنية، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من هذه الاتفاقية لصالح شعبي البلدين والمنطقة ككل.

اقرأ أيضًا: خط الغاز القطري التركي.. سقوط الأسد وتغيير المعادلة

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة