أعلن البنك المركزي المصري عن طرح استحقاقات خزانة بعائدين ثابت ومتغير بقيمة إجمالية تبلغ 26 مليار جنيه في المتوسط، بما يعادل نحو 551.7 مليون دولار، وذلك في إطار إدارة أدوات الدين الحكومية.
وأوضح تقرير صادر عن البنك المركزي أنه جرى التنسيق مع وزارة المالية بشأن هذا الطرح، باعتباره أحد أشكال الاستثمارات المالية غير المباشرة، بهدف المساهمة في سد الفجوة التمويلية بالخزانة العامة وتوفير التعهدات الحكومية اللازمة.
تفاصيل طرح البنك المركزي المصري
ويتضمن الطرح، وفقًا لما أعلنه البنك المركزي، استحقاقات خزانة ذات عائد ثابت تشمل سندات لأجلي عامين وثلاثة أعوام بقيمة إجمالية تبلغ 14 مليار جنيه، إلى جانب طرح استحقاق خزانة بعائد متغير متمثل في سند خزانة لأجل خمس سنوات بقيمة 12 مليار جنيه.
وذكر التقرير أنه من المتوقع طرح سند خزانة بعائد ثابت لأجل عامين، مستحق في يناير 2028، بقيمة 10 مليارات جنيه وبسعر كوبون يبلغ 22.422%.
كما أشار التقرير إلى طرح سند خزانة آخر بعائد ثابت لأجل ثلاثة أعوام، مستحق في يناير 2029، بقيمة 12 مليار جنيه وبسعر كوبون نسبته 21.182%، وعلى صعيد متصل، تعتزم وزارة المالية طرح استحقاق خزانة لأجل خمس سنوات من سندات الخزانة ذات العائد المتغير، والمستحق في يناير 2031، بقيمة 4 مليارات جنيه وبسعر كوبون يبلغ 0.9%.
وفي سياق إدارة أدوات الدين قصيرة الأجل، كانت وزارة المالية قد أعلنت عن قبول عطاءات أذون خزانة لأجلي 91 و273 يومًا بقيمة إجمالية بلغت 105 مليارات جنيه، بما يعادل نحو 4.174 مليار دولار، وذلك خلال مزاد سابق، ويتبقى للوزارة طرح أخير خلال الأسبوع الجاري بالقيمة نفسها 105 مليارات جنيه، يشمل أذون خزانة لأجلي 182 و364 يومًا، والمقرر طرحها في مزاد يوم الخميس المقبل.
أسباب تراجع عائد أذون الخزانة إلى ما دون مستوى 25%
وحول تراجع عائد أذون الخزانة إلى ما دون مستوى 25%، قال وليد عادل الخبير الاقتصادي، إن هذا التراجع ليس حدثًا عابرًا أو حركة عشوائية في السوق، بل يعكس بشكل مباشر المسار الذي تتبناه السياسة النقدية حاليًا، في ظل اتجاه البنك المركزي إلى خفض أسعار الفائدة تدريجيًا. وأوضح أن البيانات الأخيرة تشير إلى انخفاض متوسط العائد المرجح على أذون الخزانة لأجل 273 يومًا إلى نحو 24.99% لأول مرة خلال عام 2025، بعد أن كان يتجاوز 27% في بداية العام، وهو تطور يعكس انتقال السوق إلى مرحلة تيسير نقدي معلنة.
وأضاف عادل أن السبب الرئيسي وراء هذا التراجع يتمثل في قيام البنك المركزي المصري بخفض أسعار الفائدة الأساسية أكثر من مرة خلال عام 2025، من مستويات تجاوزت 26% إلى نحو 20% تقريبًا بنهاية ديسمبر، ما أدى إلى تقليص تكلفة الدين الحكومي، وانعكس تلقائيًا على انخفاض العوائد المطلوبة في مزادات أذون الخزانة،،وشدد على أن انخفاض العائد لم يحدث في فراغ، بل جاء نتيجة سياق نقدي واضح يستهدف التيسير وليس تحركًا قصير الأجل أو مؤقتًا.
وحول دلالة هذا الانخفاض، أكد الخبير الاقتصادي أن تراجع العائد يُعد مؤشرًا إيجابيًا إذا كان مدفوعًا بعوامل حقيقية، مثل تباطؤ معدلات التضخم، واستقرار نسبي في سعر الصرف، وتحسن احتياطيات النقد الأجنبي، إلى جانب تحسن النظرة المستقبلية للنمو الاقتصادي.
وأشار إلى أن بعض التقديرات الصادرة عن مؤسسات مالية تتوقع عودة التضخم إلى المستهدف البنكي البالغ نحو 7% بزيادة أو نقصان بنهاية عام 2026، وهو ما قد يفتح المجال أمام مزيد من التيسير النقدي خلال الفترة المقبلة.
الصدمات الخارجية تهدد استقرار الاقتصاد المصري
وحذر عادل من الإفراط في التفاؤل، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من التحليلات الرسمية يعتمد على افتراضات إيجابية، في حين لا يزال الاقتصاد المصري معرضًا لصدمات خارجية، أبرزها تقلبات أسعار السلع العالمية، وحساسية الجنيه لتحركات الدولار، فضلًا عن استمرار عبء الدين الحكومي على الموازنة العامة، وأوضح أن أي تراجع مفاجئ في الصادرات أو تحويلات المصريين العاملين بالخارج قد ينعكس سريعًا على مزادات أذون الخزانة، ويدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أعلى.
وفيما يتعلق بتوقعاته للفترة المقبلة، رجح وليد عادل سيناريو واقعيًا يتمثل في استمرار الهبوط التدريجي لعوائد أذون الخزانة خلال الأشهر القادمة وحتى أواخر 2026، دون حدوث انهيار حاد، بشرط استمرار تراجع التضخم والحفاظ على ثقة المستثمرين، وأشار إلى أن متوسط العائد قد ينخفض تدريجيًا إلى ما دون 24% في حال واصل البنك المركزي خفض أسعار الفائدة.
ماذا يحمل سيناريو المخاطر للاقتصاد المصري؟
وفي المقابل، لفت إلى وجود سيناريو مخاطر قائم في حال تعرض الاقتصاد لصدمات مفاجئة، سواء بعودة التضخم للارتفاع أو تعرض الجنيه لضغوط قوية، وهو ما سيدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أعلى لحماية العائد الحقيقي، بما قد يبطئ مسار الهبوط أو يعيد العوائد إلى الارتفاع النسبي.
وبشأن السياسة النقدية، أكد عادل أن الاتجاه العام بات واضحًا، حيث بدأ البنك المركزي خلال عام 2025 تنفيذ برنامج تيسيري حقيقي، مع مؤشرات تمنحه مساحة أكبر لمواصلة الخفض خلال 2026، وأوضح أن من بين عوامل القوة الداعمة لهذا التوجه تراجع التضخم نسبيًا، واستمرار جاذبية أذون الخزانة رغم انخفاض العائد، إلى جانب تراجع المخاطر المرتبطة بالمالية العامة بشكل نسبي.
في المقابل، حذر من عوامل ضعف قد تعرقل مسار التيسير أو تبطئه، أبرزها احتمالات بقاء التضخم الأساسي أعلى من المستهدف، والضغوط على الحصيلة الضريبية، فضلًا عن المخاطر الخارجية المرتبطة بأسعار السلع والأزمات الجيوسياسية.
واختتم وليد عادل تصريحاته بالتأكيد على أن التركيز على تراجع العائد باعتباره نجاحًا منفردًا في كبح التضخم يمثل قراءة غير مكتملة، إذ قد يكون الانخفاض ناتجًا أيضًا عن ضعف الطلب على أدوات الدين في ظل توافر بدائل استثمارية أخرى، أو توقعات بتوسع الاقتراض الحكومي، وهو ما قد يفرض ضغطًا نزوليًا مؤقتًا على العائد رغم هشاشة الوضع الاقتصادي.
اقرأ أيضًا: هل تنجح مصر في خفض الدين العام لمستويات تاريخية عبر مبادلة الأصول؟
