ترامب وأسواق النفط: سيناريوهات العقوبات وآثارها المحتملة
تقرير: باسل محمود
في ظل عودة دونالد ترامب إلى الساحة السياسية الأمريكية وسط التحديات الاقتصادية العالمية القائمة، يتساءل الكثيرون عن خياراته المقبلة، خاصة فيما يتعلق بالعقوبات الأمريكية على نفط إيران وفنزويلا.
مع تنامي التوترات في الأسواق العالمية، يصبح التوقيت والمسار الذي سيتخذه ترامب في هذه القضية محطَّ اهتمام واسع، إذ قد تؤثر قراراته على الاقتصاد العالمي والميزانيات الوطنية بشكل غير مسبوق.
كيف تؤثر السياسات الأمريكية على توازنات الطاقة العالمية؟
في السنوات الأخيرة، كانت أسواق الطاقة العالمية في حالة من التغيرات السريعة بسبب قضايا سياسية من بينها العقوبات المفروضة على إيران وفنزويلا التي تحولت إلى قضية جوهرية، ليس على مستوى المصالح الأمريكية فحسب، وإنّما على مستوى توازنات الطاقة الدولية.
ترامب، الذي كان له دور رئيس في فرض هذه العقوبات خلال فترة رئاسته الأولى، قد يُقرر العودة لتفعيل هذه السياسة من جديد، الأمر الذي يثير قلق دول أخرى تعتمد على صادرات النفط من هاتين الدولتين، وبالتالي يزيد احتمالية ارتفاع الأسعار العالمية بشكل غير مسبوق.
تأثير العقوبات على أسواق النفط العالمية
منذ أن أعلن ترامب عن سياسة “الضغط القصوى” على إيران وفنزويلا، كان الهدف من هذه العقوبات هو إجبار هذه الدول على تغيير سلوكياتها السياسية والاقتصادية، لكنّ هذه العقوبات أثرت بشكل كبير على صادرات النفط من هاتين الدولتين، مما جعل السوق النفطية أكثر توتراً.
الآن، في حال قرَّر ترامب العودة إلى هذا الخيار، فإن ذلك يعني استمرار سياسة الانغلاق ضد إيران وفنزويلا، مما سيزيد من الفجوة بين الولايات المتحدة وهذه الدول، ويتسبب في تعزيز الانقسامات العالمية.
ومما يجدر ذكره في هذا السياق أنَّ السياسة الخارجية لترامب تهدف أساسًا إلى تقليل الاعتماد على النفط الأجنبي، خاصةً من دول مثل إيران وفنزويلا، وذلك بهدف تعزيز مكانة الولايات المتحدة كمصدر للطاقة.
هل يعيد ترامب العقوبات النفطية؟
المؤشرات الحالية تدل على أنَّ ترامب قد يتجه نحو إعادة فرض العقوبات على إيران وفنزويلا، ومع زيادة التوترات في الشرق الأوسط وتحديات الداخل الأمريكي، قد تكون هذه العقوبات خطوة لتوجيه رسالة قوية لمنافسي الولايات المتحدة في أسواق النفط العالمية، مثل روسيا والصين، حيث إنّ الضغط على هاتين الدولتين قد يُعَزِّز هيمنة الولايات المتحدة في سوق الطاقة، ويزيد من الضغوط الاقتصادية على خصومها.
لكن هل يمكن أن تكون العقوبات الأمريكية مجدية مثلما كانت في الماضي؟
تُشير بعض التحليلات إلى أنَّ إعادة فرض العقوبات على النفط الإيراني والفنزويلي قد لا يؤدي إلى نفس النتائج التي حققتها في الماضي، إذ إنّ صادرات النفط من هاتين الدولتين انخفضت بالفعل، وتغيَّرت الديناميكيات في أسواق الطاقة العالمية بشكل كبير منذ أن فرض العقوبات للمرة الأولى.
اقرأ أيضًا: كيف حوّل إيلون ماسك فوز ترامب إلى مفتاح للنفوذ؟
هل تنجح العقوبات في تقليص صادرات إيران وفنزويلا؟
يقول خبير النفط العالمي، الدكتور ممدوح سلامة، في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” إنَّ العقوبات الأمريكية ضد نفط إيران وفنزويلا لم ترفع منذ عام 2018، وأنّ “الرئيس ترامب سيواصل العمل بهذه العقوبات، وربما يزيدها على إيران بشكل أكبر”.
كما أوضح الخبير أنَّه رغم العقوبات، إيران لا تزال تصدر حوالي 1.5 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل 71% مما كانت تصدره قبل فرض العقوبات، ووفقًا لقوله: “إيران نجحت في التغلب على العقوبات بطرق متعددة، مما يجعل من الصعب إيقاف صادراتها النفطية”.
خلال فترة رئاسته، قد يفرض ترامب حملة “الضغط الأقصى” ضد إيران مرة أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص صادرات النفط الإيراني بمقدار يتراوح بين 500 ألف إلى مليون برميل يوميًا.
هذا التقليص في العرض سيؤدي إلى تقليص الإمدادات العالمية، مما قد يرفع الأسعار، ومع ذلك، يُحذّر المحللون من أنَّ سياسات ترامب الأخرى، مثل توسيع الحفر المحلي في أميركا، قد تقلل هذا التأثير؛ الأمر الذي سيزيد الإمدادات الأمريكية، وبالتالي يَحُدّ من تأثير ارتفاع الأسعار الناتج عن انخفاض صادرات النفط الإيراني.
الصين في مواجهة العقوبات الأمريكية
يُعتبر التعاون مع الصين تحديًا كبيرًا أمام ترامب، نظرًا لأن الصين هي أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، حيث إنّ الصين لم تلتزم بالعقوبات الأمريكية في الماضي، وإذا شددت الولايات المتحدة الضغط على إيران قد تُحجم الصين عن الامتثال، أو تتخذ إجراءات مضادة تؤدي إلى توتر إضافي في العلاقات الاقتصادية العالمية، مما يزيد الأمر تعقيدًا.
أما بالنسبة لفنزويلا، فقد أوضح سلامة أنّها “تواصل تصدير نفطها، حيث يذهب الجزء الأكبر منه إلى الصين، وهذا يأتي في إطار سداد القروض التي أخذتها فنزويلا من الصين على مر السنين”.
وأضاف: “رغم استمرار العقوبات على كل من إيران وفنزويلا، إلا أن تأثير هذه العقوبات كان محدودًا جدًا، فكلا البلدين نجحا في إيجاد طرق للتغلب على العقوبات والتواصل مع أسواق النفط العالمية”.
تأثير العقوبات على الاقتصاد العالمي
من المؤكد أن فرض العقوبات مجددًا سيؤثر على أسعار النفط، لكن هل سيكون ذلك في مصلحة الاقتصاد الأمريكي؟ في السنوات الأخيرة، تمكنت الولايات المتحدة من زيادة إنتاجها النفطي، وهو ما جعلها أقل اعتمادًا على النفط الخارجي.
ومع ذلك، فإن زيادة أسعار النفط يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة في الولايات المتحدة نفسها، وهو ما يمكن أن يؤثر سلبًا على نمو الاقتصاد الأمريكي.
من جانب آخر، سيكون للعقوبات تأثير كبير على الاقتصاد العالمي، فمع تعقيد أسواق النفط قد ترتفع الأسعار بشكل ملحوظ، مما يضر بالعديد من الاقتصادات الأخرى التي تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط، خاصة في الدول النامية.
اقرأ أيضا: كيف سيؤثر فوز ترامب على منطقة الشرق الأوسط؟
هل تُعيد إيران وفنزويلا تشكيل قواعد اللعبة؟
يقول خبير النفط العالمي، الدكتور ممدوح سلامة، إنَّه من المتوقع أن تستمر العقوبات الأمريكية تحت إدارة الرئيس ترامب، بل ربما يتم فرض المزيد من العقوبات على إيران بشكل خاص في الفترة المقبلة.
وفي هذا الصدد، قال سلامة: “إيران وفنزويلا لا يقتصران على أسواق النفط التقليدية، بل يستخدمان أيضًا أساليب مبتكرة لتجاوز العقوبات، وهذا يجعل التأثير على صادراتهما النفطية أمرًا صعبًا”.
وتابع: “العقوبات قد تظل جزءًا من استراتيجية الضغط الأمريكي، لكنَّ نجاح إيران وفنزويلا في التأقلم معها يشير إلى أن تأثيرها قد يكون أقل من المتوقع”.
تأثير العقوبات على الحلفاء والخصوم
على صعيد العلاقات الدولية، فإنّ إعادة فرض العقوبات على إيران وفنزويلا قد تؤثر سلبًا على العلاقات بين أميركا وحلفائها في أوروبا وآسيا، الذين غالبًا ما يفضلون التفاوض والحوار مع طهران وكراكاس بدلاً من التصعيد.
من جهة أخرى، قد يفكر ترامب في تخفيف العقوبات على قطاع الطاقة الروسي، وهذا قد يُساعد في زيادة صادرات النفط الروسية، ويعزز الإمدادات العالمية، ويسهم في تخفيف الضغط على الأسعار الناتج عن خفض صادرات إيران.
وفي النهاية، يمكننا أن نخلص إلى أنّ قرار ترامب المتعلّق بالعودة إلى سياسة العقوبات على نفط إيران وفنزويلا، إذا صدر، سيخلق حالة من عدم اليقين على مستوى العالم، خاصة مع تزايد المخاوف بشأن استقرار أسواق النفط. وعلى الرغم من أنّ هذه العقوبات قد تكون وسيلة للضغط على الدول المعادية، لكنّ رد الفعل كل من الحلفاء والخصوم، على حد سواء، أمر مهم لا يجوز غضّ الطرف عنه.