يواجه مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير الكويت الجديد، تحدياً سياسياً مشابهاً لذلك الذي واجهه سلفه، إذ ما تزال حالة الشدّ بين السلطتين التنفيذية والتشريعية تلقي بظلالها على الاقتصاد وتؤخر مسار الإصلاحات منذ سنوات.
ومع ذلك، فإن طريقة انتقال السلطة الحالية تحمل أوجه اختلاف قد تحدد قدرة الأمير على إخراج البلاد من حالة الجمود؛ فقد بدأت محاولات لرعاية تسوية بين البرلمان ومكتب رئيس الوزراء الذي يعيّنه الأمير، في وقت أبدى فيه الشيخ مشعل دعمه لضخ وجوه جديدة في المشهد السياسي.
وبحسب ما نقلته بلومبرغ، يتمتع الأمير بحرية واسعة في تشكيل حكومة جديدة، كما سيجري مشاورات مع شخصيات بارزة من الأسرة الحاكمة لاختيار ولي للعهد خلال عام. ومع ذلك، لا يُتوقع أن تتجه الكويت إلى نمط نقل السلطة إلى جيل أصغر سناً كما حدث في السعودية والإمارات.
معايير اختيار ولي العهد وتشكيل الحكومة الجديدة
تقليدياً، يُختار ولي العهد في الكويت استناداً إلى الخبرة الطويلة في المناصب الحكومية، على أن يكون من ذرية مبارك الكبير مؤسس الدولة الحديثة. وقال بدر السيف، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت والزميل غير المقيم في معهد دول الخليج العربي في واشنطن، إن التركيز ينبغي أن ينصب على قدرة القيادات الجديدة -بمن فيهم ولي العهد المرتقب- على تحقيق نتائج ملموسة، بصرف النظر عن عامل العمر، فالعبرة في الأداء والنتائج.
وأي رئيس وزراء سيختاره الأمير مشعل الأحمد الجابر الصباح يحتاج تعيينه إلى موافقة مجلس الأمة في الكويت، ما يفرض على الاختيار أن يكون متوازناً سياسياً في ظل التوقعات الواسعة بتشكيل حكومة جديدة. وكان الأمير قد وجّه في خطاب أمام البرلمان في أكتوبر الماضي انتقادات لكل من النواب المنتخبين والحكومة المعيّنة، محمّلاً الطرفين مسؤولية الإخفاق في تلبية تطلعات الشارع.
وقد وُلد الأمير عام 1940، وهو شقيق لثلاثة من أمراء الكويت السابقين، ويخلف أخاه غير الشقيق نواف الأحمد الجابر الصباح الذي توفي السبت. تلقّى تعليمه في كلية هندون للشرطة بالمملكة المتحدة عام 1960، قبل أن يلتحق بوزارة الداخلية، حيث تولّى لاحقاً رئاسة جهاز أمن الدولة، ثم أصبح نائباً لرئيس الحرس الوطني.
وعُيّن ولياً للعهد في أكتوبر 2020، وتولى فعلياً إدارة شؤون الدولة منذ نوفمبر 2021 بعد تفويض معظم صلاحيات الأمير الراحل له خلال فترات سفره للعلاج، ومع تسلّمه الحكم رسمياً يراقب المحللون مؤشرات أسلوب إدارته للبلاد، علماً بأن لديه خمسة أبناء وسبع بنات.
الأزمة الاقتصادية في الكويت والمطالبة بالإصلاح
في نهاية عام 2022 بلغت حصة الكويت من احتياطيات النفط لدى الدول الأعضاء في أوبك نحو 8%، وعلى الرغم من استبعاد حدوث تحوّل جوهري في السياسة النفطية أو الخارجية للكويت، فإن الضغوط المطالِبة بإصلاحات سياسية تتصاعد تدريجياً في ظل سيطرة معارضة غير متجانسة على مجلس الأمة المؤلف من 50 عضواً واستثمارها لنفوذها البرلماني. ومع ذلك، أسهمت العلاقات الجيدة التي تربط عدداً من نواب المعارضة برئيس الوزراء الحالي في تهيئة أجواء أكثر سلاسة بين الحكومة والسلطة التشريعية بعد سنوات من التوتر.
وفي ظل غياب الأحزاب السياسية المرخّصة، يضم البرلمان شخصيات مستقلة ذات نزعة شعبوية كثيراً ما تدخل في مواجهات مع الوزراء وتتهمهم بالتساهل مع الفساد. وعلى الرغم من ارتفاع سقف الحريات السياسية مقارنة ببقية دول الخليج، تبقى جميع القوانين مرهونة بمصادقة أمير البلاد مشعل الأحمد الجابر الصباح.
تُعد الكويت من أغنى دول العالم، إلا أنها عانت لسنوات من غياب الاستقرار الحكومي، ما أدخلها في حالة جمود سياسي تتناقض مع نمط الحكم السائد في الدول الخليجية المجاورة. ورغم وجود تفاهم عام بين السلطتين، فقد أدت الخلافات المتكررة إلى تعطيل أو تأخير إقرار تشريعات حيوية، من بينها مشروع قانون يتيح للحكومة الاقتراض أو السحب من صندوق الثروة السيادي عند الحاجة، الأمر الذي يجعل البلاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية كما حدث خلال جائحة كورونا.
اقرأ أيضًا: تقرير صندوق النقد حول اقتصاد الكويت وإصلاحاتها المالية 2023
تحديات تنويع الدخل وحماية ميزانية الكويت
أعلنت الكويت في مارس تسجيل فائض سنوي في الميزانية، منهيةً بذلك تسع سنوات متتالية من العجز، بعدما أسهم ارتفاع إيرادات النفط والانضباط في إدارة الإنفاق في دعم أحد أكبر منتجي النفط في الشرق الأوسط. وكانت الحكومة قد واجهت أزمة سيولة عام 2020 تفاقمت بفعل الجائحة وتراجع أسعار النفط، ما دفعها آنذاك إلى البحث عن وسائل لتأمين رواتب الموظفين الحكوميين، ومع عودة أسعار النفط إلى الارتفاع لاحقاً تراجع الضغط على الخزانة، إلا أن التحديات ما تزال قائمة.
في المقابل، عارض البرلمان أي إعادة تخصيص للمنح الحكومية، رغم أن نحو ثلاثة أرباع الإنفاق العام يذهب إلى الرواتب والدعم الذي تقدمه الدولة، في وقت يتطلب فيه تطبيق ضريبة القيمة المضافة أو خصخصة الأصول الحكومية موافقة المشرعين أيضاً.
ويُعد صندوق احتياطي الأجيال القادمة، الذي تبلغ أصوله نحو 700 مليار دولار، بمثابة ركيزة أساسية لاقتصاد الكويت، إذ تديره الهيئة العامة للاستثمار الكويتية -أقدم صندوق ثروة سيادي في العالم- ليكون وعاء ادخار لمرحلة ما بعد النفط، غير أن المساس به يبقى مرهوناً بموافقة البرلمان.
اقرأ المزيد: الكويت تسجل أول فائض في ميزانيتها العامة منذ 9 سنوات
آمال كبيرة
قاد الأمير الراحل نواف الأحمد الجابر الصباح مبادرة واسعة للمصالحة الوطنية، واتخذ خطوات لتخفيف حدة الأزمة مع البرلمان، شملت إصدار قرارات عفو عن عدد من أعضاء المعارضة والنشطاء المقيمين في الخارج اختيارياً. واليوم يترقب الكويتيون بتفاؤل أن يفضي التقدم في مسار الحوار الوطني إلى تعاون أوثق بين الحكومة والبرلمان لمعالجة الملفات العالقة المرتبطة بالإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وجذب الاستثمارات الأجنبية الضرورية.
وفي هذا السياق، قال بدر السيف: “إن تعافي الأمة ومعالجة المظالم السياسية يشكلان المدخل للتعامل مع ملفات أخرى تحتاج إلى اهتمام”، مضيفاً أنه من المتوقع أن يواصل مشعل الأحمد الجابر الصباح مسار المصالحة تمهيداً للتركيز على الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة وتحسين مستوى الخدمات الأساسية.
قد يهمّك أيضًا: مؤسسة البترول الكويتية تواجه 93 خطرًا