هل ينجح الإفراج عن الاحتياطي النفطي في كبح ارتفاع أسعار النفط؟

أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الإفراج عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، في خطوة تعد الأكبر منذ تأسيس الوكالة، وذلك في محاولة لاحتواء الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية وتهدئة المخاوف المتصاعدة مع تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي هذا السياق، قال الدكتور علي الريامي، خبير أسواق النفط، إن القرار يعكس حجم القلق الذي يسود الأسواق العالمية في الوقت الراهن، خاصة مع استمرار التوترات في منطقة الخليج وتعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط في العالم.

أهمية الإفراج عن الاحتياطي النفطي

أوضح الريامي أن أسعار النفط تجاوزت بالفعل حاجز 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ عام 2022، مشيرًا إلى أنَّ هذا المستوى لا يمثل مجرد رقم في السوق، بل يعد حاجزًا نفسيًا مهمًا ينعكس على قرارات المستثمرين وعلى السياسات الاقتصادية للدول المستهلكة للطاقة.

وأضاف أن التحركات الأخيرة في الأسعار جاءت سريعة وغير متوقعة إلى حد كبير، فقبل نحو أسبوعين فقط، في 27 فبراير، كانت أسعار النفط تدور بين 60 و65 دولارا للبرميل، وهو مستوى كان يعكس توازن السوق بين العرض والطلب، لكن التطورات الجيوسياسية المتلاحقة، وعلى رأسها الحرب في المنطقة، دفعت الأسعار إلى الارتفاع بنحو 35% خلال فترة قصيرة.

وأشار الريامي إلى أن السبب الرئيس وراء هذه القفزة يعود إلى المخاوف من تعطل الإمدادات النفطية القادمة من الخليج، خاصة مع التوترات التي طالت مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقرب من 20% من صادرات النفط العالمية، وتشمل هذه الصادرات دول رئيسة مثل السعودية والكويت والإمارات والبحرين إضافة إلى العراق.

وقال إن أي اضطراب في هذا الممر البحري الحيوي يثير قلق الأسواق، لأن شركات الشحن وشركات التأمين وحتى الشركات الصناعية التي تعتمد على الطاقة تبدأ في حساب المخاطر المحتملة، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار.

وبحسب الخبير، فإن خطة الإفراج عن 400 مليون برميل تهدف إلى ضخ هذه الكميات تدريجيًا في الأسواق على مدى 120 يومًا، في محاولة لتخفيف الضغط الناتج عن نقص الإمدادا، مشيرًا إلى أنّ الأسواق مازالت متحفظة تجاه قدرة هذه الخطوة وحدها على إعادة التوازن الكامل للأسعار، خاصة في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الأزمة.

اقرأ أيضًا: تعطل الملاحة بهرمز يهدد إمدادات الأسمدة العالمية

فجوة في الإمدادات

أوضح الريامي أن العالم يستهلك حاليا ما يقارب 100 مليون برميل من النفط يوميًا، يمر منها نحو 20 مليون برميل عبر مضيق هرمز، مضيفًا  أن بعض هذه الكميات يمكن تصديرها عبر طرق بديلة، فالسعودية، على سبيل المثال، تمتلك خط أنابيب شرق غرب الذي يسمح بنقل نحو 7 ملايين برميل يوميًا إلى مواني البحر الأحمر، كما تمتلك الإمارات خط أنابيب يتيح تصدير نحو 2 مليون برميل يوميا خارج المضيق.

ووفقًا للخبير، لا تزال الأسواق تواجه نقصًا  بنحو 10 ملايين برميل يوميًا نتيجة تعطل جزء كبير من الإمدادات رغم البدائل المتاحة، كما أنّه أشار إلى أنَّ الكميات التي سيتم ضخها من الاحتياطيات الاستراتيجية لن تدخل السوق دفعة واحدة، حيث تعتمد العملية على القدرات اللوجستية للسحب والنقل، والتي تتراوح عادة بين 2 و3 ملايين برميل يوميًا، لذلك فإن هذه الخطوة قد تخفف من حدة الأزمة لكنها لن تعوض النقص بالكامل.

مقارنة مع حرب أوكرانيا

لفت الريامي إلى أن حجم الإفراج الحالي من الاحتياطيات أكبر بكثير مما حدث خلال الحرب الروسية الأوكرانية، عندما تم الإفراج عن نحو 182 مليون برميل فقط. وأوضح أن الفارق بين الأزمتين أن حرب أوكرانيا لم تؤدِ إلى انقطاع فعلي في الإمدادات العالمية، بل إلى تغير في مسارات التجارة النفطية، فروسيا واصلت تصدير النفط إلى دول مثل الصين والهند، بينما لجأت أوروبا إلى مصادر بديلة.

أما الأزمة الحالية فهي، وفقًا للريامي، مرتبطة باحتمال انقطاع الإمدادات نفسها أو تعطل القدرة على تصدير النفط، وهو ما يرفع مستوى المخاطر في السوق.

وأشار إلى أن مجرد وجود تهديد أمني في مضيق هرمز قد يدفع شركات الشحن وشركات التأمين إلى تجنب المرور عبره، وهو ما قد يؤدي عمليا إلى تعطيل جزء كبير من تجارة النفط العالمية.

قد يهمّك أيضًا: من هرمز للمطارات.. كيف تعطلت تجارة العالم في أيام؟

خيارات محدودة

أكد الريامي أن استمرار تعطل صادرات النفط من الخليج قد يبقي الأسواق في حالة من التقلبات وارتفاع الأسعار، لأن تعويض هذا النقص ليس أمرًا سهلًا في المدى القصير، رغم أن بعض الخطوات قد تساعد في تخفيف الضغط، مثل زيادة تدفقات النفط من بعض الدول أو استخدام جزء من الاحتياطيات الاستراتيجية لدى الدول الكبرى.

كما لفت إلى أن الصين تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة قامت بتعزيزها خلال العام الماضي، وقد تلجأ إلى استخدام جزء منها إذا استمرت الأسعار في الارتفاع، لكنّه أوضح أنَّ هذه التحركات تبقى مرتبطة بحسابات سياسية واقتصادية معقدة، خاصة في ظل التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى.

النفط الصخري قد يستفيد

أوضح الريامي أنَّ ارتفاع أسعار النفط قد يصب في مصلحة بعض المنتجين، وعلى رأسهم قطاع النفط الصخري في الولايات المتحدة، الذي يحتاج عادة إلى أسعار مرتفعة لضمان جدوى الاستثمارات وزيادة الإنتاج، مشيرًا إلى أن شركات النفط الصخري كانت قد أعربت في السابق عن عدم رضاها عندما كانت الأسعار تدور بين 60 و65 دولارًا للبرميل، لأن تلك المستويات لم تكن مشجعة على التوسع في الإنتاج.

لكن في المقابل، فإن استمرار ارتفاع الأسعار يضع الإدارة الأمريكية أمام تحدٍ سياسي واقتصادي، إذ يتعين عليها تحقيق توازن بين دعم صناعة الطاقة المحلية وحماية المستهلك الأمريكي من ارتفاع أسعار الوقود والطاقة، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة.

واختتم الريامي تصريحاته مؤكدًا على أن اتجاه الأسعار في الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بشكل مباشر بتطورات الأزمة في منطقة الخليج، مشيرًا إلى أن استمرار تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز سيبقي الأسواق عرضة لتقلبات حادة، لأن البدائل المتاحة لا يمكنها تعويض هذا النقص بسرعة.

اقرأ أيضًا: تداعايات الحرب على إيران تصل إلى جيوب الأمريكيين

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة