هل ينجح جوزيف عون في إنقاذ الاقتصاد اللبناني؟ 

تعيش بيروت واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية في تاريخها الحديث بعد أن تدهورت الأوضاع بشكل غير مسبوق منذ نهاية عام 2019، نتيجة سلسلة من الأزمات المالية والسياسية المتشابكة، حيث أدى الانهيار الاقتصادي إلى تراجع حاد في قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانكماش الاستثمار الأجنبي والمحلي، مما دفع البلاد إلى حافة الإفلاس.

ومع استمرار حالة الشلل السياسي التي عاشها لبنان لفترة طويلة، ازدادت معاناة المواطنين في ظل غياب رؤية واضحة لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. وجاء انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية اللبنانية، العماد جوزيف عون، ليشكّل محطة مفصلية في مسار البلاد، إذ يواجه تحديات جسيمة تتطلب إرادة سياسية صلبة وإصلاحات اقتصادية عميقة تعيد الثقة إلى الداخل اللبناني، وتفتح مجددًا قنوات التعاون والدعم من المجتمع الدولي.

إنقاذ الاقتصاد اللبناني

صرّح الدكتور حاتم مروان، أستاذ الاقتصاد بجامعة مونتريال، بأن انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية اللبنانية، العماد جوزيف عون، يعد خطوة محورية نحو استعادة الثقة المفقودة في الاقتصاد اللبناني، واعتبر أن هذه المرحلة فرصة حقيقية للبنان لإعادة بناء اقتصاده الذي تضرر بشدة منذ أواخر عام 2019 بسبب الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة، إلا أنها مرهونة بالنجاح في العديد من الملفات الهامة.

تحديات ما بعد الفراغ السياسي

أشار الدكتور مروان في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” إلى أن “الفترة الطويلة من الفراغ السياسي التي استمرت 26 شهراً كانت كارثية على الاقتصاد اللبناني، حيث عمقت حالة عدم اليقين وزادت من عزوف المستثمرين. ومع انتخاب العماد جوزيف عون، يتطلع اللبنانيون والمجتمع الدولي لرؤية خارطة طريق اقتصادية شاملة تعيد البلاد إلى مسار التعافي وتجذب الاستثمارات المحلية والدولية”.

وأضاف: “السؤال الأساسي الآن هو: هل يستطيع الرئيس الجديد اتخاذ الإجراءات الجريئة التي طال انتظارها؟ وهل سيعيد لبنان إلى موقعه الطبيعي كوجهة استثمارية موثوقة؟”.

اقرأ أيضًا: كيف دمرت الحرب اقتصاد لبنان؟

أرقام صادمة عن الاستثمارات الأجنبية

أوضح الدكتور مروان أن لبنان فقد الكثير من جاذبيته الاستثمارية في السنوات الأخيرة، حيث تراجع صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 582 مليون دولار أمريكي في 2023، مقارنة بـ2.9 مليار دولار في 2018، بحسب تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD). وأكد أن هذا التراجع يبرز حجم التحدي الذي يواجه الرئيس الجديد في استعادة الثقة وتعزيز تدفق رؤوس الأموال إلى البلاد.

خطاب القسم: إشارات إيجابية ولكن التحديات قائمة

في تعليقه على خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس عون، قال الدكتور مروان: “خطاب الرئيس حمل رسائل مطمئنة، حيث أشار بوضوح إلى عزمه على إعادة هيكلة الإدارة العامة، وتعزيز مبادئ الاقتصاد الحر، وحماية أموال المودعين، كما أكد أنه لن يسمح بوجود حصانات لأي فاسد أو متورط في جرائم مالية”.

ورأى مروان أن هذه الالتزامات مهمة للغاية، لكنها تحتاج إلى ترجمتها سريعاً إلى سياسات وإجراءات ملموسة لكسب ثقة الشعب والمجتمع الدولي.

قد يهمّك أيضًا: اقتصاد الرعاية في لبنان على شفا الانهيار

إصلاحات مطلوبة لاستعادة الدعم الدولي

شدد مروان على أن تنفيذ الإصلاحات المطلوبة من المؤسسات الدولية، وخاصة صندوق النقد الدولي، هو المفتاح لإطلاق المساعدات المالية، وقال: “لبنان بحاجة ماسة إلى تجاوز العقبات السياسية التي عطلت الإصلاحات لسنوات”. أهم هذه الإصلاحات تشمل:

  • إلغاء قانون السرية المصرفية.
  • إجراء تدقيق شامل للنظام المالي.
  • إعادة هيكلة القطاع المصرفي.

وعن التفاعل الإيجابي الأولي في الأسواق، قال الدكتور حاتم مروان: “سوق السندات الدولية أظهرت تحسناً طفيفاً بعد انتخاب الرئيس الجديد، حيث ارتفعت معظم السندات بين 0.8 إلى 0.9 سنت لتصل إلى نحو 16 سنتاً للدولار، لكن هذا التحسن لا يزال هشاً لأن المستثمرين ينتظرون تشكيل حكومة فعّالة قادرة على تنفيذ الإصلاحات”.

مستقبل الاستثمار في لبنان

في حديثه عن رؤية الرئيس لجذب الاستثمارات، أوضح مروان أن خطاب الرئيس عكس إدراكاً عميقاً لمتطلبات المستثمرين، وقال: “الرئيس جوزيف عون أكد التزامه بمبادئ الاقتصاد الحر، وهو ما يعني عدم فرض قيود على تحويل الأموال أو التجارة. هذه النقاط تعد أساسية لاستعادة ثقة المستثمرين”.

كما أشار مروان إلى أن معالجة القضايا المتعلقة بالقطاع المصرفي واحترام ودائع المودعين ستكون عوامل حاسمة في جذب رؤوس الأموال، حيث “لا يمكن لأي نظام مالي أن ينجح دون ضمان هذه الحقوق الأساسية”.

واختتم الدكتور مروان تصريحاته قائلاً : “على لبنان الآن أن يقدم للمستثمرين العرب والدوليين فرصاً استثمارية واضحة ومجدية، ويمكن تحقيق ذلك عبر الانفتاح الاقتصادي، وإطلاق مشاريع جديدة، وضمان حرية التبادل التجاري والاستثماري”.

وأردف: “لبنان كان يوماً مركزاً اقتصادياً ومصرفياً مزدهراً في الشرق الأوسط، وفي حال التزمت القيادة الجديدة برؤية واضحة وإصلاحات جادة، فلا شك أنه قادر على استعادة هذا الدور”.

اقرأ أيضًا: مخاطر إدراج لبنان على القائمة الرمادية

تحركات إيجابية في سوق السندات

حقَّقت السندات اللبنانية ارتفاعاً ملحوظاً خلال تعاملات يوم الخميس الماضي، وذلك بعد تصويت مجلس النواب اللبناني على انتخاب عون رئيساً جديداً للبلاد، في خطوة تنهي الفراغ السياسي الذي استمر منذ عام 2022، فقد جاء هذا الانتخاب جاء بعد 12 محاولة فاشلة لمجلس النواب، ما عزز الآمال بقدرة لبنان على مواجهة أزماته الاقتصادية والسياسية المتراكمة.

وقد ارتفعت معظم السندات الدولية اللبنانية بين 0.8 و0.9 سنت لتصل إلى حوالي 16 سنتاً للدولار، ما يمثل استمراراً للاتجاه الصعودي الذي بدأ قبل ثلاثة أشهر، كما تضاعفت قيمة سندات لبنان تقريباً منذ سبتمبر 2024، وهو ما يعكس تأثيراً إيجابياً للأحداث الإقليمية والمحلية، بما في ذلك الصراع الأخير مع إسرائيل الذي أضعف نفوذ جماعة حزب الله المسلحة، الأمر الذي خفَّف من المخاوف بشأن استمرار الأزمة السياسية، وأتاح فرصة لتجاوز الانقسامات وفتح الباب أمام إصلاحات اقتصادية ملحة.

لكن على الرغم من هذا الارتفاع، تظل السندات الحكومية اللبنانية من بين الأرخص في العالم، وهو ما يعكس حجم التحديات الاقتصادية الكبيرة التي تواجه البلاد؛ فمنذ الانهيار المالي الحاد عام 2019 شهد لبنان تدهوراً اقتصادياً غير مسبوق، شمل تراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات الفقر، وشلل شبه كامل في القطاع المصرفي.

تأثير الحرب الإسرائيلية على الاقتصاد اللبناني

البنك الدولي قدّر أن الحرب الأخيرة مع إسرائيل كلَّفت الاقتصاد اللبناني نحو 8.5 مليار دولار، وهو ما يضاعف الحاجة إلى تحرك عاجل لإعادة بناء الاقتصاد المنهك. وفي هذا السياق، أكد الباحث الاقتصادي محمد عبد الرحيم أن إنقاذ الاقتصاد اللبناني من أزماته الراهنة يتطلب رؤية استراتيجية واضحة وتنفيذًا فوريًا لإصلاحات شاملة تضع البلاد على مسار التعافي وتمنع الانهيار الكامل.

وأشار عبد الرحيم في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” إلى أن الاقتصاد اللبناني يعاني من انهيار شبه شامل نتيجة الأزمات المتراكمة، بدءاً من الانهيار المالي الذي أدى إلى فقدان الثقة بالنظام المصرفي، وصولاً إلى تدهور العملة الوطنية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة. وأضاف أن غياب القيادة السياسية القادرة على اتخاذ قرارات جريئة خلال السنوات الماضية كان أحد الأسباب الرئيسية وراء تعميق الأزمة.

سندات اليوروبوندز في لبنان تتجاهل الحرب.. ما السر؟ اقرأ المقال!

القضاء على الفساد

أكَّد عبدالرحيم أن التحدي الأكبر أمام جوزيف عون في محاولة إنقاذ الاقتصاد اللبناني هو استعادة ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء، وأوضح أن لبنان بحاجة إلى بيئة استثمارية مستقرة وآمنة، وهو ما يتطلب إصلاحات هيكلية على المستويين الاقتصادي والإداري.

وقال الباحث الاقتصادي: “لا يمكن لأي خطة اقتصادية أن تنجح دون القضاء على الفساد المتجذر في مؤسسات الدولة وضمان حماية أموال المودعين، خاصة بعد فقدان الثقة بالمصارف اللبنانية نتيجة للسياسات المالية السابقة”.

رؤية لمستقبل لبنان بعد انتخاب عون

أوضح الباحث الاقتصادي أن خطاب القسم للرئيس الجديد حمل إشارات إيجابية، خاصة فيما يتعلق بإعادة هيكلة القطاع المصرفي ودعم الاقتصاد الحر، لكنه شدد على أن هذه الإشارات يجب أن تترجم إلى سياسات ملموسة تُظهر التزام القيادة الجديدة بإحداث تغيير حقيقي.

كما أشار عبد الرحيم إلى أهمية جذب الدعم الدولي كعامل حاسم في إعادة بناء الاقتصاد اللبناني، وقال إن المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، أبدت استعدادها لمساعدة لبنان بشرط تنفيذ إصلاحات جدية تشمل رفع السرية المصرفية وإعادة هيكلة النظام المالي، وأضاف أنَّ الدعم الدولي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا أظهر لبنان جدية في تنفيذ هذه الإصلاحات ومكافحة الفساد.

وعن استجابة الأسواق لانتخاب عون، قال عبد الرحيم إن ارتفاع السندات اللبنانية الدولية مؤخراً يعكس تفاؤلاً حذراً لدى المستثمرين، لكنَّه حذر من أن هذه الاستجابة قد تكون مؤقتة إذا لم يتم تشكيل حكومة قادرة على تنفيذ الإصلاحات اللازمة.

واختتم عبد الرحيم تصريحاته بالقول إن نجاح جوزيف عون في إنقاذ الاقتصاد اللبناني يعتمد على مدى قدرته على تجاوز العقبات السياسية الداخلية، وإطلاق رؤية اقتصادية متكاملة تعيد لبنان إلى الخارطة الاقتصادية العالمية، مشيرًا إلى أنّ “المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة إذا توفرت الإرادة السياسية والشجاعة لتنفيذ الإصلاحات الضرورية”.

اقرأ أيضًا: كيف أثر الصراع الإيراني الإسرائيلي على التصنيف الائتماني لدول المنطقة

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة