رغم الضغوط المتزايدة التي يواجهها الاقتصاد الصيني داخليًا وخارجيًا، ووسط تساؤلات عالمية عن قدرته على الصمود، أكد الخبراء أن الحديث عن “انهيار وشيك” للاقتصاد الصيني لا يستند إلى أسس علمية أو قراءة واقعية للمعطيات.
ومن جانبه أكَّد الباحث الاقتصادي محمد محمود عبد الرحيم، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أن الاقتصاد الصيني واحد من أكثر الاقتصادات تنوعًا وضخامة على مستوى العالم، ويعتمد على استراتيجية “الصعود السلمي” في بناء علاقاته الدولية، وهي سياسة تقوم على الشراكة والمصالح المتبادلة دون فرض شروط سياسية، على عكس ما تمارسه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وأوضح أن الصين تمثل حالة استثنائية في النظام الدولي، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي الذي ترك الولايات المتحدة بلا منافس فعلي، لكن الصين، بحسب وصفه، تمكّنت من التفرّد كقوة منافسة للهيمنة الأمريكية، ما جعل العلاقة بين البلدين تمثل أبرز أشكال “الصراع البارد” منذ بداية التسعينيات، وحتى اليوم.
الصين قوة صاعدة في مواجهة الهيمنة الأمريكية
أشار عبد الرحيم أن الصين تقدم نفسها للدول النامية كدولة صاحبة تجربة تنموية ملهمة وطموحات اقتصادية واسعة، وهو ما يمنحها قدرًا من القبول في المحيط الدولي، خاصة لدى الدول الفقيرة. كما أوضح أنَّ بكين تنفق نحو 2.4% من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث العلمي والتطوير، ما يجعلها في المرتبة الثانية عالميًا بعد الولايات المتحدة.
وأكد الباحث الاقتصادي أيضًا أنَّ الصين تتفوق في عدد براءات الاختراع، وتمتلك قاعدة صناعية هائلة من الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب عمالقة الصناعات الكبرى، بالإضافة إلى ريادتها في قطاعات تكنولوجية مثل الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية. كما تمتلك الصين ثروات معدنية واستراتيجية، أبرزها الحديد والبوكسيت والنحاس والذهب، فضلًا عن العناصر الأرضية النادرة التي تُعد أساسية للصناعات التكنولوجية المتقدمة مثل الهواتف والبطاريات.
اقرأ أيضًا: خطة “صنع في الصين” تُربك ميزان القوى الصناعي العالمي
التحديات الكبرى أمام ثاني أكبر اقتصاد عالمي
تطرّق عبد الرحيم أيضًا إلى التحديات التي تواجه الاقتصاد الصيني، منها التغيرات الديموغرافية التي تتمثل في ارتفاع نسب كبار السن مقابل انخفاض معدلات المواليد، إلى جانب تفاقم مستويات الدين العام، وضعف دور القطاع الخاص نتيجة سيطرة الدولة على مفاصل الاقتصاد، بالإضافة إلى التلوث البيئي المرتفع، واستمرار الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، والأزمة الجيوسياسية المتعلقة بتايوان.
ورغم هذه التحديات، شدَّد عبد الرحيم على أنَّ الصين لا تزال تمثل تهديدًا حقيقيًا لموقع الريادة الأمريكي في الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن البعض يرى أن بكين غير قادرة بعد على قيادة الاقتصاد العالمي، إلا أن الأرقام تؤكد أنها المنافس الأخطر لواشنطن.
وتابع قائلًا: “الاقتصاد العالمي يشهد تغييرات هيكلية عميقة، ومن المرجّح أن تعاني القوى التقليدية –سواء الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الصناعية الكبرى– من أزمات محتملة خلال السنوات المقبلة، بفعل شيخوخة السكان، والتغيرات المناخية، وتراجع الموارد، بالتزامن مع سعي بعض الدول النامية إلى استغلال مواردها بشكل أفضل لتأمين موقع جديد لها في خارطة الاقتصاد العالمي”.
واختتم محمد محمود عبد الرحيم تصريحاته بالتأكيد على أن العالم يتجه نحو اقتصاد قائم على الابتكار والمعرفة، موضحًا أن الدول التي تضع التعليم والبحث العلمي في صدارة أولوياتها، وتُحسن إدارة مواردها بكفاءة، ستكون الأقدر على قيادة المستقبل، سواء كانت الصين أو غيرها.
تباطؤ هيكلي يضغط على النمو الصيني
قال الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إن الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من آثار سلسلة من الأزمات المالية التي تفاقمت منذ تفشي جائحة كورونا، مؤكدًا أن تداعيات هذه الأزمات لم تقتصر على الاقتصادات الناشئة، بل امتدت وبقوة إلى الاقتصادات المتقدمة التي لم تكن بمنأى عن التأثر، بل إن بعضها واجه تداعيات أشد حدة مقارنة بدول أقل تطورًا.
وأشار الجرم إلى أن الاقتصاد الصيني، الذي يُعد ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، يواجه حاليًا مجموعة من التحديات الهيكلية العميقة، تمثلت في تراجع ملحوظ في معدل النمو الاقتصادي الذي سجل نحو 5.2% فقط، وهو المعدل الأدنى تقريبًا خلال أكثر من ثلاثين عامًا، في مؤشر واضح على وجود تباطؤ هيكلي في أداء الاقتصاد الصيني.
أزمة العقارات تهدد ربع الناتج المحلي
ولفت إلى أن أزمة قطاع العقارات تعتبر واحدة من أبرز الأزمات التي تواجه الاقتصاد الصيني، نظرًا لما يمثله هذا القطاع من أهمية بالغة، حيث يشكل ما يقرب من 25% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأوضح أن القطاع العقاري في الصين يعاني من مديونيات ضخمة طالت شركات التطوير العقاري الكبرى، مثل شركة “إيفرغراند” التي خضعت للتصفية، وشركة “كانتري غاردن” التي تشهد اضطرابات مالية كبيرة، ما أدى إلى انخفاض وتيرة بناء المساكن الجديدة، وبالتالي التأثير على سلاسل الإنتاج المرتبطة بالقطاع.
وأضاف الجرم أن التقارير الدولية، وعلى رأسها تقارير صندوق النقد الدولي، تشير إلى تراجع متوقع في حجم الطلب على المساكن الجديدة في الصين بنسبة تصل إلى 50% خلال العقد المقبل، وهو ما يعني وجود مخزون فائض غير مستوعب من الوحدات العقارية، سيؤثر سلبًا على مسارات النمو الاقتصادي المستقبلية.
خطورة التحولات الديموغرافية في الصين
نوّه الخبير الاقتصادي إلى أن التحولات الديموغرافية في الصين تعمق من خطورة الأزمة، مشيرًا إلى أن انخفاض معدل المواليد وارتفاع أعداد الوفيات يؤديان إلى تقلص عدد السكان بوتيرة متسارعة، ما ينسجم مع توقعات الأمم المتحدة بانخفاض عدد سكان الصين من 1.4 مليار نسمة حاليًا إلى نحو 800 مليون فقط بحلول نهاية القرن الحالي.
وأوضح أن هذا التحول الديموغرافي يمثل تحديًا مباشرًا لصناع القرار في بكين، لا سيما فيما يتعلق بتقلص حجم القوى العاملة من جهة، وزيادة أعداد كبار السن الذين يحتاجون إلى مظلة رعاية اجتماعية أوسع من جهة أخرى، ما يفرض ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة وسياسات الحماية الاجتماعية في البلاد.
تراجع الاستثمارات وزيادة الضغوط على الأسواق
اعتبر الدكتور رمزي الجرم أن عدم استقرار سوق الأوراق المالية الصينية يمثل عاملًا إضافيًا في تعميق حالة عدم اليقين الاقتصادي، خاصة مع مشاركة أكثر من 200 مليون مواطن صيني في البورصة المحلية، ما يضاعف من الأثر الاجتماعي والسياسي لأي اضطرابات في الأسواق المالية، ويضع الحكومة الصينية تحت ضغط متزايد لضبط الأداء وضمان الاستقرار.
وأشار إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الصين سجلت تراجعًا تاريخيًا خلال عام 2023، حيث بلغت 33 مليار دولار فقط، وهو أدنى مستوى لها منذ تسعينيات القرن الماضي، بنسبة انخفاض وصلت إلى 82% مقارنة بعام 2022، الأمر الذي يعكس تراجع ثقة المستثمرين في البيئة الاقتصادية، خاصة في ظل تصاعد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تنتهج مؤخرًا سياسة التلويح برفع الرسوم الجمركية إلى مستويات غير مسبوقة.
اقرأ أيضًا: صادرات المعادن الروسية تتجه نحو الصين .. الشريان التجاري الأول
إصلاحات هيكلية لضمان الاستقرار
رغم التحديات سابقة الذكر، شدَّد الدكتور رمزي الجرم على أنه لا توجد مؤشرات قوية على احتمال انهيار الاقتصاد الصيني بشكل شامل، مؤكدًا أن بكين لا تزال تحتفظ بموقعها كثاني أكبر اقتصاد عالمي، وتفصلها فجوة كبيرة عن أقرب منافسيها مثل الهند وروسيا، كما أنها تمتلك احتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية، وتتمتع بقدرة على اتخاذ سياسات مرنة لدعم الاستقرار.
وأكد الخبير الاقتصادي أنَّ الصين بدأت بالفعل في تنفيذ إصلاحات اقتصادية هيكلية تهدف إلى معالجة الأزمة العقارية، والحد من الدين العام، وتعزيز الطلب المحلي، وتخطط تدريجيًا إلى التحول من نموذج النمو القائم على التصدير والاستثمار إلى نموذج يعتمد على الاستهلاك والابتكار، وهو ما يعد توجهًا استراتيجيًا ينسجم مع التغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
واختتم الدكتور رمزي الجرم تصريحاته بالتأكيد على أن تحسين العلاقات التجارية للصين مع الشركاء الدوليين سيكون عاملًا حاسمًا في تقليل الضغوط الخارجية، خاصة مع استمرار التوتر مع واشنطن.
وأضاف أن مستقبل الاقتصاد العالمي مرهون بمدى قدرة القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين، على التكيف مع التحديات المعقدة، مثل التحولات الديموغرافية، والتغيرات المناخية، وتقلبات سلاسل الإمداد، مؤكدًا أن الاقتصاد الابتكاري والاعتماد على المعرفة هما مفتاح القيادة المستقبلية لأي دولة في المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضًا: تراجع الأسعار يعمق أزمة اقتصاد الصين