مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تتزايد المخاوف من التأثيرات المحتملة لفوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب على الاقتصاد البريطاني والعلاقات التجارية الدولية، فقد تكون بريطانيا عرضة لتحديات جديدة وصعبة في حال عودة ترامب إلى البيت الأبيض، حيث يُتوقع أن يتبنى سياسات تجارية صارمة، قد تشمل فرض تعريفات جمركية على واردات المملكة المتحدة وغيرها من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.
حرب تجارية محتملة
تعد الولايات المتحدة شريكاً تجارياً رئيساً لبريطانيا، ما يجعل اقتصادها عرضة للتأثر المباشر بأي تغييرات جذرية في السياسة الاقتصادية الأمريكية. وفي ضوء ما تشير إليه التقارير حول نية ترامب المتعلقة بالتركيز على السلع المصنعة وفرض تعريفات جمركية انتقائية، فقد تواجه الصناعات البريطانية الكبرى تحديات تؤثر على استقرارها في السوق الأمريكية، بينما تبرز أيضًا احتمالية حدوث تقلبات في الأسواق المالية العالمية، تؤثر بدورها على استقرار الاقتصاد البريطاني.
وفي ظل هذه السيناريوهات، تُثار تساؤلات حول مستقبل العلاقات الدولية لبريطانيا، وإمكانية أن تدفعها حرب تجارية محتملة مع الولايات المتحدة نحو تعزيز علاقاتها التجارية مع قوى اقتصادية أخرى، مثل الصين، في مشهد دولي يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة قد تحمل تداعيات عميقة وطويلة الأمد.
ويرى أبو بكر الديب، الخبير الاقتصادي، أن فوز دونالد ترامب المحتمل في الانتخابات الأمريكية المقبلة قد يشكّل خطرًا على الاقتصاد البريطاني، موضحًا أن العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة متداخلة بشكل كبير، وبالتالي فإن أي تغيير في سياسات الإدارة الأمريكية سيؤثر بشكل مباشر على بريطانيا.
وقال الديب إن “التجارة بين بريطانيا والولايات المتحدة قد تتأثر في حال عودة ترامب إلى الرئاسة، لأنّه قد ينتهج سياسات تجارية صارمة تُلزم بفرض رسوم جمركية أو قيود على الواردات، مما سيضر بالصادرات البريطانية التي تعتبر السوق الأمريكية إحدى وجهاتها الرئيسية”.
كما حذر الديب من احتمال حدوث تقلبات كبيرة في أسواق المال العالمية مع فوز ترامب، إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى عدم استقرار في الأسواق البريطانية، التي ترتبط باستقرار الأسواق العالمية.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد.. صداع يؤرق الحكومة البريطانية الجديدة
أولويات ترامب الاقتصادية
أشار الخبير الاقتصادي إلى أن عودة ترامب قد تعقد فرص إبرام اتفاقيات تجارية جديدة مع بريطانيا في مرحلة ما بعد البريكست، موضحًا أن “أي صفقات تجارية مستقبلية قد تخضع لإعادة النظر بما يتناسب مع أولويات ترامب الاقتصادية”.
وفيما يتعلق بالقضايا البيئية، لفت الديب إلى أن مواقف ترامب المعارضة للاتفاقيات البيئية العالمية قد تؤثر على التزام بريطانيا بسياساتها البيئية، موضحًا أن “تبنّي سياسات غير داعمة للبيئة من جانب الولايات المتحدة قد يضع الشركات البريطانية في معضلة بين معايير الالتزام الأوروبي وبين التوجه الأمريكي”.
واختتم الديب تصريحاته مؤكدًا أن “المخاوف من فوز ترامب تكمن في إمكانية حدوث تغييرات كبيرة في العلاقات التجارية والتقلبات في الأسواق المالية، فضلًا عن تأثير سياساته الخارجية على الاستقرار العالمي، الأمر الذي قد تكون له تداعيات واضحة على الاقتصاد البريطاني”.
سياسات ترامب المتوقعة
قال ترامب في تصريح له هذا الشهر: “أجمل كلمة في القاموس هي التعريفة الجمركية، وهي كلمتي المفضلة، إنها أجمل من الحب، وأجمل من أي شيء آخر”. هذا التصريح يعكس توجهاته الواضحة نحو سياسة اقتصادية تتسم بالتشدد تجاه الواردات الأجنبية، مما يهدد بعواقب وخيمة على التجارة الدولية.
وينوي ترامب فرض ضرائب كبيرة جديدة على التجارة الدولية، ورغم أنه لم يوضح التفاصيل الدقيقة لهذه الضرائب، إلا أنه ألمح إلى إمكانية فرض ضريبة بنسبة 10% إلى 20% على جميع الواردات من الخارج، و60% على الواردات القادمة من الصين تحديدًا، وقد تؤدي هذه التدابير إلى نتائج كارثية على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد البريطاني.
مخاوف الاقتصاد البريطاني
حذرت صحيفة “تايمز” البريطانية في تقرير لها من أن فوز المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية دونالد ترامب قد يشكل خطرًا كبيرًا على الشركات البريطانية والدولية التي تعتمد على السوق الأمريكية.
ووفقًا لما جاء في التقرير، يعتزم ترامب شن حملة شاملة من التعريفات الجمركية على واردات الولايات المتحدة من كل دول العالم، بما في ذلك بريطانيا والاتحاد الأوروبي والصين وغيرها.
فضلًا عن ذلك، أوضح التقرير أن الولايات المتحدة تمثل أكبر شريك تجاري لبريطانيا، حيث تشكل 17.7% من إجمالي تجارتها الدولية، وبلغت قيمة الصادرات البريطانية إلى السوق الأمريكية 192 مليار دولار خلال الأشهر الـ12 الماضية حتى مارس، بينما بلغت الواردات من الولايات المتحدة حوالي 117.2 مليار دولار.
كما أن الخدمات البريطانية في السوق الأمريكية تشكل ثلثي الصادرات البريطانية إلى الولايات المتحدة، وتشمل التكنولوجيا، والخدمات المصرفية، والاستشارات، والسياحة، وقد تكون هذه القطاعات أقل عرضة للتأثير المباشر، نظرًا لأن ترامب يركز بشكل أكبر على السلع المصنعة، إلا أن الشركات البريطانية التي تعتمد على السوق الأمريكية قد تتعرض لتأثيرات مدمرة إذا فرضت التعريفات الشاملة التي ينادي بها.
اقرأ أيضا: مستقبل مشرق لاقتصاد بريطانيا بحلول 2038
مخاطر التعريفات الجمركية
أشار تقرير صحيفة “تايمز” إلى أن هذه التعريفات الجمركية الواسعة ستشكل تهديدًا خطيرًا للعديد من الصناعات البريطانية الكبرى، مثل الصناعات الطبية والصيدلانية التي صدرت إلى الولايات المتحدة بقيمة 8.4 مليارات دولار في الأشهر الاثني عشر الماضية، وكذلك صناعة السيارات التي بلغت قيمة صادراتها 7.1 مليارات دولار.
واستشهد التقرير برأي أحمد كايا، الباحث في المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، الذي أكد أن مدى الضرر الذي قد تسببه تعريفات ترامب يعتمد بشكل كبير على ردود الفعل من الدول الأخرى. فإذا ما ردت هذه الدول بفرض تعريفات جمركية مماثلة، فقد يؤدي ذلك إلى تباطؤ التجارة الدولية وإفقار الاقتصادات العالمية بشكل عام.
وتوقع كايا أن يؤدي استمرار الحرب التجارية على مدى أربع سنوات إلى انكماش الاقتصاد الأمريكي بنسبة 3.5% عن حجمه الحالي، كما سيتراجع الاقتصاد الصيني بنسبة 2.1%، ما يعرقل نمو الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد البريطاني.
تراجع نمو الاقتصاد البريطاني
أشار كايا إلى أن فرض ترامب تعريفات جمركية شاملة سيؤدي إلى تراجع نمو الاقتصاد البريطاني إلى 0.4% فقط، ما يعني القضاء على ثلثي إمكانات النمو التي كانت متوقعة. وبالإضافة إلى ذلك، قد تشهد بريطانيا تضخمًا مرتفعًا يصل إلى حوالي 4.5%، مما سيعيد أزمة غلاء المعيشة بعد أن كانت الشركات والعائلات تأمل في استقرار الأسعار.
وأوضح كايا أن الآثار غير المباشرة لتباطؤ التجارة العالمية ستشمل ارتفاعًا في أسعار الفائدة نتيجة زيادة التضخم، مما سيشكل ضغطًا إضافيًا على الاقتصادات العالمية، ويزيد من صعوبة التعافي الاقتصادي في الدول المتأثرة، ومن بينها بريطانيا.
تعريفات جمركية انتقائية
يقول الدكتور هشام قنديل الخبير الاقتصادي: “حتى لو اختار دونالد ترامب فرض تعريفات جمركية انتقائية بدلًا من الرسوم الشاملة، تظل بريطانيا عرضة للمخاطر، فالتوترات القائمة بين حملة ترامب والحكومة البريطانية حول دعم نشطاء حزب العمال لكامالا هاريس قد تدفع ترامب إلى وضع بريطانيا في قائمة الدول التي تتبع ممارسات تجارية غير عادلة أو تشكل تهديدات غير عادية، وهذا يعني أن بريطانيا قد تكون من أوائل الدول المستهدفة في حال فرضت إدارة ترامب تعريفات انتقائية”.
وأشار قنديل إلى أنّ بريطانيا ستجد صعوبة في الرد بقوة كما يفعل الاتحاد الأوروبي، الذي قام بتوسيع دفاعاته التجارية خلال السنوات الأخيرة، بشكل يمنحه قدرة أفضل على التصدي لأي تعريفات أميركية جديدة.
وبين التحولات الجيوسياسية التي قد تفرضها حرب التعريفات الجمركية، يُحتمل أن تتوجه بريطانيا نحو الصين، ففي ظل القيود التجارية المتزايدة من الولايات المتحدة، قد تجد بريطانيا نفسها مضطرة إلى تعزيز علاقاتها مع الصين التي ستكون في وضع أقوى للتصدير إلى الأسواق العالمية، وتزويدها بمنتجات أرخص في حال اندلاع حرب تجارية.
قد يهمّك أيضاً: كيف يؤثر فوز ترامب على الأسواق في الشرق الأوسط؟
انهيار الصادرات الأمريكية
يرى الخبير الاقتصادي أن حملة التعريفات الجمركية على الواردات الأمريكية قد تؤدي إلى انهيار الصادرات الأمريكية إلى معظم الدول على مدار هذا العقد، في حين ستصبح الصين المورِّد الرئيس للكثير من الدول، وهذا سيزيد من نفوذها الاقتصادي العالمي، ويضعف هيمنة أمريكا على سلاسل التوريد العالمية.
وأشار محللون من بنك الاستثمار “مورغان ستانلي” إلى أن الحرب التجارية التي قد يطلقها ترامب قد تؤدي إلى إضعاف تحالفات أمريكا الرئيسة؛ بما في ذلك “أوكوس” (التحالف بين أميركا وأستراليا والمملكة المتحدة)، و”الرباعية” (التحالف بين أميركا وأستراليا والهند واليابان)، وحلف الناتو، فضلًا عن التحالفات مع اليابان وكوريا الجنوبية.
تمثل هذه التحالفات ركائز مهمة للاستراتيجية الأمريكية في منطقة المحيط الهادئ وعلى الصعيد العالمي، وقد يؤدي تراجعها إلى تقليص النفوذ الأمريكي أمام منافسين مثل الصين وروسيا.
ومن جهة أخرى، قد تجد الحكومة البريطانية نفسها في مواجهة اقتصاد مليء بالتحديات، في وقت قد تشهد فيه علاقاتها الدولية تغيرًا جذريًا بالتزامن مع إطلاق سلسلة من الزيادات الضريبية الداخلية التي ستزيد من الضغط على الشركات والأسر البريطانية.