“هواوي” تتحدى “إنفيديا” بخطة ثلاثية

خطت هواوي خطوة غير معهودة في تاريخها المُتحفّظ، حيث كشفت على الملأ -وللمرة الأولى بهذا التفصيل- خريطة طريق تمتد ثلاث سنوات لشرائح “Ascend” وحلول الحوسبة الفائقة “SuperPoD”، بهدف تضييق الفجوة مع “إنفيديا” في سوق الذكاء الاصطناعي.

وجاء الإعلان خلال فعالية “Huawei Connect” في الصين، حيث استعرض الرئيس الدوري للشركة، إريك شو، جدولاً زمنياً لأجيال تالية من مسرّعات الذكاء الاصطناعي ومنصّات التجميع العنقودي، في خطوة وصفتها تقارير صحفية بأنها “كسر لسنواتٍ من السرّية” حول أعمال الرقائق لدى الشركة الصينية، بحسب بلومبرغ، ورويترز.

هذا الإفصاح يضع “هواوي” في قلب معادلة عالمية معقّدة، تتضمن قيود أمريكية مُشددة على سلاسل التوريد، وسباق محموم على طاقة الحوسبة لتدريب النماذج التوليدية، وهيمنةٌ واضحة لـ”إنفيديا” على منظومة البرمجيات. ومع ذلك، تُراهن “هواوي” على استراتيجية “الكتل العملاقة” كي تعظم مردود مكوناتها الحالية، وتسد فجوة الأداء عبر توسيع المقياس.

تسلسل معلن لشرائح “Ascend”

الخطة تبدأ من الشرائح الحالية “Ascend 910C”، ثم تتدرج عبر إطلاق “Ascend 950” بنسختين خلال 2026، يليه “Ascend 960” في 2027، وصولاً إلى “Ascend 970” في 2028، ووفق ما عرضته الشركة فإن كل جيل جديد سيضاعف الأداء والسعة مقارنة بالجيل السابق، مع تحسين عرض النطاق الداخلي وزيادة قدرة الذاكرة.

ولم تكتفِ هواوي بالكشف عن الشرائح، بل ربطتها منذ البداية بخطط منصّات “Atlas SuperPoD”، التي تُشكل حجر الأساس في مقاربة الشركة.

الحاسوب الفائق بوصفه منصة

يُعتبر “Atlas 900 A3 SuperPoD” الذي أعلنت عنه هواوي في 2025 نقطة البداية، فالمنصة تستوعب حتى 384 شريحة “Ascend 910C” وتُدار كـ”حاسوب واحد ضخم” بفضل بروتوكولات الربط الداخلي عالية النطاق.

الخطة المقبلة تقوم على مضاعفة هذه القدرة تدريجياً:

  • Atlas 950 (2026): يستهدف ربط أكثر من 8000 شريحة “Ascend”، مع قفزة كبيرة في قوة الحوسبة وسعة الذاكرة.
  • Atlas 960 (2027): توسّع أكبر مع ما يقرب من 15000 شريحة في عنقود واحد.

أما الهدف النهائي فهو تكوين عناقيد فائقة الضخامة قادرة على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية بحجم غير مسبوق في الصين.

استراتيجية “التوسع الذكي” بدل “الشريحة الأقوى”

تدرك هواوي أنَّ المقارنة المباشرة مع “إنفيديا” في الشريحة المفردة لن تصب في مصلحتها، فشريحة “Blackwell” القادمة من إنفيديا أو حتى الجيل الحالي “هوبر” تتفوق بأشواط على الشرائح الصينية في الأداء والبرمجيات الداعمة.

لكن فلسفة هواوي مختلفة، فإذا كانت الشريحة الفردية أقل قوة فإن مضاعفة عدد الشرائح وتحسين الترابط بينها يمكن أن يعوض الفجوة، وهكذا تُحول الشركة المنافسة من سباق ترانزستورات إلى منافسة منظومات، حيث تلعب الشبكات الداخلية، وإدارة الذاكرة، وبرمجيات التوزيع دوراً لا يقل أهمية عن تصميم المعالج نفسه.

ذاكرة النطاق العريض.. العقدة الكبرى

واحدة من أصعب المشكلات التي تواجه الشركات الصينية هي الوصول إلى ذاكرة النطاق العريض (High Bandwidth Memory) التي تُعتبر العمود الفقري لتدريب النماذج العملاقة، لكن القيود الأمريكية على تصدير هذه الذاكرة جعلت “هواوي” تبحث عن حلول محلية.

تذكر تقارير وكالة رويترز، أن الشركة تعمل على تطوير بدائل محلية تحمل أسماء مثل “HiBL 1.0” و”HiZQ 2.0″، في محاولة لبناء سلسلة توريد وطنية تخفّف الاعتماد على شركات مثل “SK Hynix” الكورية أو “Micron” الأمريكية، وإذا نجحت هذه التجارب في الإنتاج الصناعي، فإنها ستشكل نقطة تحول استراتيجية في معركة الاكتفاء الذاتي.

رغم الطموحات الكبيرة، يظل الإنتاج على نطاق واسع التحدي الأكبر، فوزارة التجارة الأمريكية ذكرت في جلسة للكونغرس منتصف 2025 أن التقديرات تشير إلى قدرة “هواوي” على تصنيع “ما لا يزيد عن 200 ألف شريحة Ascend” في العام، وهو سقف يعتبر ضئيلاً مقارنة بالطلب المتنامي داخل الصين نفسها على قدرات الحوسبة، لكن هذه الأرقام تطرح سؤالاً عملياً: كيف يمكن لـ”هواوي” أن تلبّي طموح “المجموعات العملاقة” إذا لم تُحل معضلة الطاقة الإنتاجية ومصادر المواد والمعدات؟

لماذا تكشف هواوي أوراقها الآن؟

التوقيت ليس مصادفة، فالإعلان جاء في ظل تصاعد التوترات بين بكين وواشنطن حول التكنولوجيا والقيود التجارية، كما تزامن مع محادثات هاتفية بين الرئيسين الأمريكي والصيني، لكن رسالة هواوي كانت مزدوجة، حيث وُجّهت للشركاء المحليين باعتبار أن هناك بديلاً صينياً سيادياً جاهزاً للتوسع، وللخارج في إشارة إلى أن الشركة ليست في موقع الدفاع فقط، بل تمتلك خطة واضحة وثقة في قدرتها على تجاوز القيود.

وقد رأي محللون في “Bernstein” أن استعداد “هواوي” للإفصاح علناً عن خارطة طريقها، يُعد مؤشراً على ثقتها بسلسلة توريد محلية متنامية، وبحسب المذكرة فإن الإعلان العلني ليس مجرد دعاية، بل التزام ضمني بأن هناك منظومة تصنيع وتمويل وتنظيم تسند هذه الخطط.

في المقابل، يؤكد خبراء مستقلون أن الفجوة التكنولوجية مع “إنفيديا” ستظل قائمة على مستوى الشريحة المفردة، وأن الرهان على “العنقودية الضخمة” هو رهان محفوف بمخاطر الكفاءة التشغيلية والتكلفة.

اقرأ أيضًا: تفاصيل الاتفاق التجاري بين أمريكا والصين وتأثيره على الاقتصاد العالمي

ما الذي تنافسه هواوي فعلياً؟

لفهم حجم التحدي، يكفي النظر إلى ما تقدمه إنفيديا اليوم؛ فمعمارية Blackwell تتيح سرعة ربط داخلي تصل إلى 1.8 تيرابايت في الثانية عبر تقنية NVLink، مع إمكانية دمج ما يصل إلى 72 مسرّعاً في منصة واحدة (GB200 NVL72) مزودة بذاكرة هائلة.

في المقابل، لا تكشف هواوي عن أرقام معيارية قابلة للمقارنة المباشرة، لكنها تؤكد أن منصاتها SuperPoD 950 ستوفّر سرعات ربط أعلى، وأعداد شرائح أكبر بعشرات المرات. وبغض النظر عن دقة هذه الأرقام، فإن الرسالة واضحة: الشركة لا تسعى إلى منافسة إنفيديا على مستوى قوة الشريحة الواحدة، بقدر ما تحاول إعادة صياغة معايير المقارنة نحو “قدرة المنظومة الكاملة”.

2026.. عام الاختبار الحاسم

الإيقاع الزمني الذي أعلنت عنه الشركة يجعل عام 2026 نقطة اختبار مركزية، حيث يتضمن هذا العام إطلاق أول نسخ “Ascend 950″، وتشغيل “SuperPoD 950” بقدرة ربط أكثر من 8000 شريحة، وإذا نجحت هذه المحطات سيكون لدى “هواوي” دليل عملي على جدوى استراتيجيتها، أما إذا تعثرت فقد ينقلب الخطاب التسويقي إلى عبء.

لا يمكن فصل الخطة عن الدعم السياسي في الداخل، فالحكومة الصينية تُكثّف منذ سنوات برامج التمويل والتسهيلات للشركات المحلية لبناء صناعة رقائق وطنية، فيما تُتهم الولايات المتحدة بـ”إساءة استخدام” ضوابط التصدير لإعاقة هذا المسار، ومن هنا يمكن القول إن إعلان “هواوي” ليس بياناً تقنياً فقط، بل أيضاً رسالة سياسية تعكس تقاطع الصناعة بالتنافس الجيوسياسي.

منظومة مقابل شريحة

بعد سنوات من الغموض، وضعت هواوي خريطتها على الطاولة، التي تتضمن تحسين تدريجي للشرائح، وتوسّع عنقودي متسارع، ومحاولة لفك اختناقات الذاكرة والإمداد محلياً.

وبهذا لا تدّعي “هواوي” التفوق على “إنفيديا” في الأداء الفردي، لكنها تقول إن هناك طريقاً آخر، وهو تفوق المنظومة، وإذا نجحت في تسليم الوعود في 2026 و2027، قد تفتح مساراً جديداً للتنافس، حيث لا يُقاس التفوق بعدد الترانزستورات فقط، بل بقدرة الشبكة والعنقودية على تحويل المكونات الأقل كفاءة إلى قوة حوسبية ضخمة.

قد يهمّك أيضًا: أزمة هواوي.. العقوبات الأمريكية تعيق ريادة الصين التكنولوجية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة