وقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا.. ماذا يعني للأسواق العالمية؟

عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين قمة بارزة في ألاسكا يوم الجمعة الماضي، في محاولة لاستكشاف سبل إنهاء الحرب المستعرة في أوكرانيا منذ عام 2022، ورغم التصريحات الإيجابية المتبادلة لم يتم التوصل لاتفاق رسمي لوقف إطلاق النار.

ويُعد الصراع الذي اندلع في فبراير 2022 الأكبر في القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، وقد ترك آثارًا عميقة على الاقتصاد العالمي، بدءًا من أزمة الطاقة الحادة، ومرورًا بارتفاع أسعار الغذاء إلى مستويات غير مسبوقة، وصولًا إلى خسائر هائلة في الأصول الأوروبية وانكماش الاقتصاد الروسي تحت وطأة العقوبات.

ومع أن الأسواق المالية لا تزال تتعامل بحذر مع احتمال وقف إطلاق النار، فإن مجرد وجود إشارات إيجابية يعيد طرح سؤال مركزي: كيف سيتأثر الاقتصاد العالمي إذا دخلت هذه الحرب مرحلة التهدئة بعد نحو ثلاث سنوات من الانفجار؟

الأسواق المالية بين الحذر والأمل

تفاصيل أي اتفاق محتمل لا تزال غامضة، وهو ما يفسر حالة التردد لدى المستثمرين، فسندات الحكومة الأوكرانية -التي تُستخدم كمؤشر على المزاج الاستثماري تجاه مستقبل كييف- ظلت مستقرة عند مستويات منخفضة لم تتجاوز 55 سنتا للدولار، وهو ما يعكس حالة الترقب الحذر.

غاي ميلر، كبير خبراء الأسواق في “Zurich Insurance Group”، عبّر عن هذا الشعور قائلا: “المسألة الكبرى هي أنه حتى لو حصلنا على وقف إطلاق النار، فهل سيكون مستدامًا؟”.

أوروبا تدفع الثمن الأكبر

لم تدفع أي قارة ثمن الحرب كما دفعت أوروبا، فاعتمادها الطويل على الغاز الروسي الرخيص جعلها أكثر هشاشة أمام صدمة الأسعار، وألمانيا -القوة الصناعية الأولى في أوروبا- شهدت تباطؤًا اقتصاديًا حادًا، فيما تضرَّرت قطاعات كبرى مثل الصناعات الكيماوية والقطاع الصناعي، كما أن المصارف الأوروبية تكبّدت خسائر كبيرة في بداية الحرب، لكنها سرعان ما قلصت انكشافها على روسيا وتجاوزت الأزمة نسبيًا.

ومع ذلك، لم تكن الصورة سوداوية بالكامل، فمؤشر “STOXX 600” الأوروبي -الذي يقيس أداء كبرى الشركات الأوروبية- بقي قريبًا من أعلى مستوياته منذ مارس الماضي، مستفيدًا من التفاؤل بمرونة بعض القطاعات، أما أسهم الصناعات الدفاعية فقد شهدت طفرة استثنائية، وأسهم شركة “Leonardo” الإيطالية قفزت بأكثر من 600% منذ اندلاع الحرب، فيما صعدت أسهم “Rheinmetall” الألمانية المصنعة للأسلحة بنسبة تفوق 1500%.

توني ميدوز، الرئيس التنفيذي للاستثمار في “BRI Wealth Management”، يرى أن أي وقف لإطلاق النار، قد يؤدي إلى تراجع طفيف في أسهم الدفاع، لكنه يضيف: “السبب الجوهري لارتفاعها لا يزال قائمًا، فإذا بقي بوتين وترامب في السلطة ستظل حاجة أوروبا إلى تعزيز إنفاقها العسكري قائمة”.

أزمة طاقة لم تهدأ بعد

من أبرز التداعيات التي هزّت الأسواق العالمية أزمة الطاقة، فمع بداية الغزو ارتفعت أسعار خام برنت بنسبة 30% لتصل إلى 139 دولارا للبرميل، بينما قفزت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية بأكثر من 300% إلى مستويات قياسية، ورغم أن أسعار النفط تراجعت لاحقًا فإنَّ أسعار الغاز الأوروبية، المقاسة عبر عقود “Dutch TTF”، بقيت مرتفعة بفعل بحث أوروبا المحموم عن بدائل للغاز الروسي الذي كان يغطي أكثر من 40% من احتياجاتها.

هذا التحول دفع الاتحاد الأوروبي إلى توقيع اتفاقيات جديدة مع الولايات المتحدة لزيادة وارداته من الغاز الطبيعي المسال، ووفق هذه الاتفاقيات يُتوقع أن تصل مشتريات أوروبا من النفط والغاز والفحم الأمريكي إلى نحو 250 مليار دولار سنويًا بحلول 2027، مقارنة بـ75 مليار دولار فقط في 2024، غير أن خبراء عديدين يرون أن هذا الهدف “غير واقعي” في ظل القدرات المحدودة للبنية التحتية الأوروبية على استيعاب هذه الكميات.

التضخم يخرج عن السيطرة

الحرب جاءت في لحظة حرجة؛ حيث كان الاقتصاد العالمي يحاول فيها التعافي من جائحة كورونا، ومع اندلاعها انفلتت أسعار الطاقة والغذاء من عقالها، وصادرات الحبوب من روسيا وأوكرانيا تعطلت بشدة، ما أدى إلى نقص حاد في الإمدادات، كما أن البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تراجعا عن توصيف التضخم بأنه “مؤقت”، وبدأت موجة من رفع أسعار الفائدة بوتيرة هي الأشد منذ عقود.

منذ أواخر 2022، بدأت معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى بالانحسار تدريجيًا، لكن أسعار الغذاء لا تزال مرتفعة، خاصة في الاقتصادات الناشئة التي تعتمد على واردات الحبوب، وتقرير منظمة الأغذية والزراعة “فاو” أكَّد أن أسعار الغذاء العالمية في يوليو الماضي بلغت أعلى مستوى لها منذ أكثر من عامين.

أبريل لارس، رئيسة قسم المتخصصين بالاستثمار في “Insight Investment”، لخصت المسألة قائلة: “إذا استطاعت أوكرانيا أن تعمل كاقتصاد طبيعي، فسيساعد ذلك في خفض أسعار الغذاء حول العالم”.

أوكرانيا بين الأمل والعجز

الحرب دمّرت الاقتصاد الأوكراني، وكييف اضطرت العام الماضي إلى إعادة هيكلة ديون حكومية بقيمة 20 مليار دولار، بعدما عجزت عن السداد، ومع عودة الحديث عن وقف إطلاق النار، ارتفعت سنداتها استباقيًا على أمل حدوث انفراج سياسي، لكنها عادت وانخفضت بعد توترات متزايدة مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي، خاصة بعد اجتماع مثير للجدل مع ترامب في البيت الأبيض في فبراير.

ورغم هذه التحديات لا تزال هناك نافذة أمل، إذ يرى محللون أن أي تهدئة ستسمح بإعادة تدفق المساعدات والاستثمارات الغربية، ما قد يضع أوكرانيا على مسار انتعاش تدريجي.

اقرأ أيضًا: قمة ألاسكا.. لماذا فشل ترامب وبوتين في الاتفاق حول أوكرانيا؟

روسيا.. اقتصاد يواجه القيود ويبحث عن مخارج

أما روسيا، فانكمش اقتصادها تحت وطأة العقوبات الغربية، لكن الإنفاق الدفاعي الكبير ساعد على امتصاص جزء من الصدمة، كما أن الحكومة الروسية رفعت أسعار الفائدة للحد من التضخم، لكنها حذرت من مخاطر ركود اقتصادي في المستقبل.

والروبل شهد تقلبات حادة، حيث هبط بشدة بعد الغزو، ثم ارتفع إلى أعلى مستوى في سبع سنوات خلال 2022 مع تراجع الواردات، وهو مرتفع هذا العام بنحو 40% أمام الدولار.

التحول الأهم تمثّل في تنامي استخدام روسيا للعملة الصينية، فاليوم تجاوز اليوان الدولار كأكثر عملة تداولًا في التعاملات التجارية الروسية، وهو ما يعكس التحالف الاقتصادي المتزايد بين موسكو وبكين.

العملات تحت ضغط الصراع

الحرب تركت بصماتها على أسواق العملات، فاليورو فقد نحو 6% من قيمته أمام الدولار في 2022، لكن بعض المحللين يرون أن أي وقف لإطلاق النار قد يساعد العملة الأوروبية على استعادة بعض قوتها. ويقول فريدريك كارير، رئيسة استراتيجية الاستثمار في “RBC Wealth Management”: “اليورو قد يستفيد، لكننا لا نراه تغييرًا جذريا في مساره”.

وفي المقابل، عزز الدولار الأمريكي والفرنك السويسري مكانتهما كملاذات آمنة، إلا أن استخدام الغرب سلاح العقوبات وتجميد نحو 300 مليار دولار من الأصول الروسية في 2022 سرّع من ظاهرة “التخلي عن الدولار”، إذ تسعى دول عدة، من الصين إلى الهند والبرازيل، إلى تقليص اعتمادها على العملة الأمريكية.

هل يمكن أن يكون وقف إطلاق النار نقطة تحوّل؟

مع أن وقف إطلاق النار سيخفف من الضغوط على أسواق الطاقة والغذاء، ويعيد بعض الثقة إلى الاستثمارات الأوروبية، إلا أن الكثير من التحديات ستظل قائمة، فالحاجة الأوروبية إلى تعزيز الإنفاق الدفاعي ستبقى قائمة، حتى مع خفوت أصوات المدافع.

كما أن التضخم العالمي لن يختفي سريعًا، خاصة مع استمرار الضغوط الجيوسياسية على سلاسل التوريد، أما روسيا وأوكرانيا فستواجهان سنوات من إعادة البناء وإعادة التموضع الاقتصادي.

قد يهمّك أيضًا: سباق دبلوماسي بين موسكو وواشنطن وسط هواجس أوروبية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة