الاقتصاد.. صداع يؤرق الحكومة البريطانية الجديدة

الاقتصاد البريطاني يؤرق الحكومة الجديدة التي تعتزم إطلاق عملية إصلاح جديدة وفقًا لتصريحات رئيس الوزراء كير ستارمر بعد تحقيق حزب العمال الذي يتزعّمه فوزا ساحقا في الانتخابات التشريعية.

وتعد تلك المرة الأولى منذ العام 2010 التي يحكم فيها العمّال يسار الوسط البلاد،  بعدما استمر حكم المحافظين  14 عاما شهدت معظم سنواته الأخيرة عدة أزمات بداية من  بريكست إلى كوفيد والتضخم والتغيير المتكرر لرؤساء الحكومة.

وهناك عدة ملفات اقتصادية على طاولة الحكومة الجديدة أبرزها ملف الديون  والتضخم والبطالة وتراجع الديون بخلاف القضية الأهم وهى العودة للاتحاد الأوروبي.

أزمات تواجه الحكومة البريطانية الجديدة

وتقول الدكتورة يمن الحماقي أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، أنه منذ بداية عام 2024، تواجه بريطانيا مجموعة من الأزمات الاقتصادية التي أثرت بشكل كبير على الاقتصاد الوطني ومستوى معيشة المواطنين، وهذه الأزمات تتنوع بين التضخم المرتفع، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وتأثيرات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، بالإضافة إلى التحديات العالمية مثل الارتفاع في أسعار الطاقة وعدم الاستقرار الجيوسياسي.

التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة

وأضافت يمن الحماقي في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia، يعد التضخم المرتفع أحد أبرز الأزمات الاقتصادية في بريطانيا، حيث شهدت البلاد ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات التضخم التي تجاوزت 10% في بعض الأشهر، وهذا الارتفاع الكبير في الأسعار أثر سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين، وزاد من تكاليف المعيشة، وارتفعت أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء والطاقة بشكل كبير، مما زاد من معاناة الأسر ذات الدخل المحدود.

تباطؤ النمو الاقتصادي

وتابعت الخبيرة، بالإضافة إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في بريطانيا بشكل ملحوظ خلال عام 2024، ووفقًا للتقارير الاقتصادية، انخفض معدل النمو إلى أقل من 1% في بعض الفصول، مما أثار مخاوف بشأن دخول الاقتصاد في حالة ركود، وتأثرت العديد من القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك التصنيع والخدمات، نتيجة لتراجع الاستثمارات وتباطؤ الإنفاق الاستهلاكي.

وحول تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تقول أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، لا تزال تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تلقي بظلالها على الاقتصاد البريطاني في 2024، وأدى البريكست إلى تعقيد العلاقات التجارية مع الدول الأوروبية وزيادة التكاليف اللوجستية والتعريفات الجمركية، كما واجهت الشركات البريطانية صعوبات في التكيف مع القواعد الجديدة والروتين البيروقراطي، مما أثر على عملياتها وربحيتها.

اقرأ أيضًا: الأثرياء يخططون للهروب من بريطانيا

أزمة الطاقة

ولفتت الخبيرة إلى أن بريطانيا شهدت في عام 2024 أزمة طاقة حادة، نتيجة لارتفاع أسعار النفط والغاز العالمية، وأدت هذه الأزمة إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، مما أثر على أسعار السلع والخدمات، كما زادت فواتير الطاقة للمنازل والشركات، مما زاد من الضغوط المالية على المستهلكين وأصحاب الأعمال.

البطالة وتراجع الأجور

كما لفتت الحماقي إلى تفاقم معدلات البطالة في بريطانيا خلال 2024، حيث فقد العديد من العمال وظائفهم نتيجة لتباطؤ الاقتصاد وتراجع الأنشطة التجارية، بالإضافة إلى ذلك، لم تواكب الأجور ارتفاع معدلات التضخم، مما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأفراد وزيادة معاناة الأسر البريطانية.

التدابير الحكومية

في مواجهة هذه الأزمات، اتخذت الحكومة البريطانية عددًا من التدابير لمحاولة تخفيف الأثر الاقتصادي، شملت هذه التدابير تقديم حزم دعم مالية للأسر والشركات، وتخفيض الضرائب على بعض السلع الأساسية، وتحفيز الاستثمارات في القطاعات الحيوية. ومع ذلك، لا تزال التحديات كبيرة، وتتطلب استراتيجيات طويلة الأمد لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

واختتمت حماقي، قائلة: تعد الأزمات الاقتصادية في بريطانيا تحديًا كبيرًا أمام الحكومة الجديدة يتطلب جهودًا مشتركة من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني للتغلب عليها، ومن الضروري أن تستمر الحكومة في تنفيذ سياسات فعالة لدعم النمو الاقتصادي وتحسين مستوى معيشة المواطنين، مع التركيز على الاستدامة الاقتصادية والاستثمار في المستقبل.

ويقول الدكتور سيد قاسم الخبير الاقتصادى: تعتبر ديون بريطانيا واحدة من القضايا الاقتصادية الرئيسية التي تشغل الحكومة والمحللين الاقتصاديين على حد سواء، وقد ازدادت هذه الديون بشكل ملحوظ  بسبب مجموعة من العوامل، من بينها الأزمات الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وجائحة كوفيد-19. 

وأضاف الخبير في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia، بلغ حجم الديون الوطنية في بريطانيا مستويات غير مسبوقة في عام 2024. وفقًا لآخر التقارير، وتجاوز الدين العام 2.5 تريليون جنيه إسترليني، وهو ما يمثل أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، مؤكدًا  أن هذا الوضع يثير القلق لأنه يعكس عبءًا كبيرًا على الاقتصاد ويقيد قدرة الحكومة على تنفيذ سياسات مالية فعالة.

أسباب زيادة حجم الديون

جائحة كوفيد-19: أدت الجائحة إلى زيادة كبيرة في الإنفاق الحكومي لدعم النظام الصحي والاقتصاد، وقدمت الحكومة حزمًا ضخمة من الدعم المالي للشركات والأفراد، مما زاد من العجز المالي.

البريكست: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان له تأثير كبير على الاقتصاد البريطاني، فقد واجهت البلاد تحديات تجارية جديدة، وتكاليف إضافية، وإعادة تنظيم العديد من القطاعات الاقتصادية.

الركود الاقتصادي: تباطأ النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة، مما قلل من الإيرادات الضريبية وزاد من الحاجة إلى الاقتراض لتمويل الإنفاق العام.

زيادة الإنفاق العام: تضمنت السياسات الحكومية زيادة الإنفاق على الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية، مما أسهم في زيادة الدين العام.

زيادة أعباء الفوائد: مع زيادة حجم الدين، تزداد تكاليف خدمة الدين من خلال مدفوعات الفوائد، وهذا يقلل من الموارد المتاحة للإنفاق على الخدمات الأساسية والاستثمار في البنية التحتية.

اقرأ أيضًا: مستقبل مشرق لاقتصاد بريطانيا بحلول 2038

تأثير زيادة الديون

تقليل الثقة في الاقتصاد: يمكن أن تؤدي المستويات العالية من الديون إلى تقليل الثقة في الاقتصاد البريطاني، مما يؤثر سلبًا على الاستثمارات الأجنبية والمحلية.

تقييد السياسة المالية: تضطر الحكومة إلى توجيه جزء كبير من ميزانيتها لخدمة الدين، مما يحد من قدرتها على تنفيذ سياسات مالية توسعية لدعم النمو الاقتصادي.

استراتيجيات الحكومة البريطانية الجديدة

ضبط الإنفاق: تعمل الحكومة البريطانية الجديدة على ضبط الإنفاق العام وتحديد الأولويات لتحقيق توازن أفضل بين الإيرادات والنفقات.

تحفيز النمو الاقتصادي: تسعى الحكومة إلى تحفيز النمو الاقتصادي من خلال الاستثمار في البنية التحتية والابتكار والتكنولوجيا.

إصلاحات ضريبية: تنظر الحكومة في إصلاح النظام الضريبي لضمان تحصيل المزيد من الإيرادات من خلال تحسين كفاءة التحصيل وزيادة الضرائب على الفئات الأكثر ثراءً والشركات الكبيرة.

الشفافية والمساءلة: تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة الدين العام يمكن أن يزيد من ثقة المستثمرين

ورصد قاسم أبرز التحديات التي سيواجهها حزب العمال البريطاني بعد فوزهم الساحق بـ 409 مقاعد في البرلمان، أبرزها التحديات الاقتصادية.

ويعاني الاقتصاد البريطاني من تبعات الخروج من الاتحاد الأوروبي، وآثار جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم وتراجع النمو الاقتصادي.

وتتطلب هذه التحديات من الحزب وضع سياسات اقتصادية فعالة تركز على تحفيز النمو، وخفض الدين العام، وزيادة فرص العمل.

بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية، التي تواجه الحكومة البريطانية الجديدة هناك تحديات اجتماعية تتعلق بالتفاوت والعدالة الاجتماعية، وارتفاع معدلات الفقر وانعدام المساواة.

كما يتعين على الحزب التعامل مع قضايا الإسكان وتوفير سكن ملائم وبأسعار معقولة للمواطنين.

التحديات لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل تشمل أيضًا قضايا سياسية وأمنية، منها تعزيز الوحدة الوطنية ومعالجة الانقسامات السياسية الناتجة عن استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي.

بالإضافة إلى ذلك تتطلب التحديات الأمنية والتغيرات المناخية اهتماماً خاصاً، حيث يجب على الحزب تطوير استراتيجيات لحماية الأمن الوطني وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، لتعزيز الثقة في الحكومة الجديدة وضمان تحقيق الاستقرار.

الخدمات الصحية

واتفق الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السيايية مع رأي سيد قاسم، قائلًا: إن التحديات الاقتصادية التي تواجه الحكومة البريطانية الجديدة تأتي في قلب التحديات الرئيسية التي تواجه حزب العمال، فاقتصاد المملكة المتحدة عانى كثيراً من أجل النمو، كما تعاني الخدمات الصحية وغيرها من الخدمات من ضغوط شديدة

وأضاف فهمي في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia، أن المالية العامة للدولة تعاني من ضيق حيز إصلاح تلك المشكلات، فبريطانيا حققت نموًا اقتصاديًا بطيئًا للغاية خلال معظم الفترة التي أعقبت الأزمة المالية العالمية في عامي 2008 و2009.

منذ عام 2010، كان النمو في بريطانيا أقوى من النمو في ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا، رغم ذلك كان أداء نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أقل جودة.

وتابع أستاذ العلوم السياسية “إذا أخذنا في الاعتبار أعداد السكان المتغيرة، فإن النمو منذ عام 2010 كان أضعف من النمو في ألمانيا، ويتأخر كثيراً عن الولايات المتحدة، فمستويات المعيشة من المتوقع أن تشهد أول انخفاض لها خلال فترة برلمانية منذ خمسينيات القرن الماضي، فمنذ انتشار جائحة كوفيد-19، أصبح الاقتصاد البريطاني ثاني أضعف اقتصاد في مجموعة الدول السبع”.

معدلات الهجرة

ومن التحديات الرئيسية المرتبطة بالمحور الاقتصادي، معدلات الفقر، فقد استمر الفقر في التراجع، لكن وتيرة التحسن تباطأت منذ العام 2010، أما التحدي المرتبط بالهجرة أيضاً يشكل عقبة، فقد فشلت الحكومات المحافظة المتعاقبة في تحقيق أهدافها في خفض صافي الهجرة، حتى بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانخفض صافي الهجرة إلى 685 ألف شخص في العام 2023 من مستوى قياسي بلغ 764 ألف شخص في عام 2022، لكنه أكبر بأربع مرات تقريبا من مستواه في العام 2019 عندما وعد زعيم حزب المحافظين السابق بوريس جونسون بخفضه.

وصرح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور طارق فهمي، بأن حزب العمال يتبنى رؤية وبرنامجاً واضحاً، لكن التحدي يكمن في نجاح حزب العمال في السلطة بعد 14 سنة في جانب المعارضة.

وأكد أن هناك عديد من التحديات الاقتصادية الكبيرة التي تواجه حزب العمال، والتي تتطلب تعديل الرؤية والبوصلة فيما يخص الاقتصاد البريطاني، لتدور تساؤلات  حول ما إذا كان حزب العمال سيتبنى استراتيجية مختلفة، مثل إمكانية عودة بريطانيا للاتحاد الأوروبي وربط الاقتصاد البريطاني بالاقتصاد الأوروبي، وهي قضايا مطروحة بقوة على الساحة.

اقرأ أيضًا: الحكومة الجديدة في مصر.. تحديات وآمال اقتصادية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة