كان عام 2023 بمثابة زلزال ضرب القطاع المصرفي العالمي، بعدما وقعت أربعة مصارف أمريكية في قبضة الإفلاس خلال فترة لم تتجاوز شهرين، أعقبها سقوط بنك كريدي سويس، ثاني أكبر مقرض في سويسرا، في واحدة من أكثر الأزمات المصرفية تسارعاً منذ الأزمة المالية العالمية في 2008.
بداية الانهيار
بدأت القصة بإفلاس بنك سيلفرغيت المتخصص في قطاع العملات المشفرة، الذي أعلن في الثامن من مارس عن تصفيته الطوعية بعد تعرضه لضغوط مالية متراكمة وتسجيل خسائر كبيرة في محفظة القروض، إلى جانب انكشافه على منصة FTX التي انهارت نهاية العام السابق.
وبعد أقل من أسبوع من سقوط سيلفرغيت، تلقت وول ستريت صدمة جديدة مع انهيار بنك سيليكون فالي الذي انهار حرفياً بين ليلة وضحاها، بعدما حاول جمع 2.25 مليار دولار لدعم ميزانيته العمومية، إلا أنَّ محاولة رفع رأس المال كانت القشة التي دفعت المودعين إلى الهلع وسحب ودائعهم بشكل جماعي وسريع، ما أدى إلى سحب 42 مليار دولار في يوم واحد، وانتهت معه مسيرة استمرت أربعة عقود في أقل من 48 ساعة.
هذا الانهيار دفع بالمودعين إلى التهافت على البنوك الإقليمية الأصغر في الولايات المتحدة خشية انتقال العدوى، قبل أن تتدخل مؤسسة التأمين الفدرالية لطمأنة المودعين وضمان ودائعهم. ورغم التدخل، لم تمنع هذه الأزمة من سقوط بنكين إضافيين هما سيغنتشر بنك وفيرست ريبابليك بنك للسبب ذاته: سحب الودائع وتدهور ميزانيات البنوك الإقليمية أمام بيئة أسعار الفائدة المرتفعة.
كريدي سويس في قلب العاصفة
لم تتوقف تداعيات الأزمة عند الحدود الأمريكية؛ ففي 16 مارس استيقظ العالم على أزمة مصرفية جديدة في أوروبا مع انهيار كريدي سويس، بعد يوم واحد فقط من تصريحات رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي السعودي آنذاك عمار الخضيري، الذي أعلن عدم رغبة مؤسسته في زيادة استثماراتها في البنك بسبب القواعد التنظيمية. ورغم واقعية التصريح من ناحية تنظيمية، إلا أنه جاء في أسوأ توقيت ممكن، إذ كان المستثمرون قلقين أصلاً من انتقال العدوى من الولايات المتحدة إلى النظام المصرفي الأوروبي.
تصاعد الذعر بين المستثمرين بسرعة غير مسبوقة، وتزايدت مخاوف سحب الودائع وتعرض رأس المال للضغط، ما تسبب في موجة بيع عنيفة لسهم المصرف، وأثار مخاوف النظام المالي الأوروبي، وعلى إثر ذلك تواصل البنك المركزي الأوروبي مع البنوك التي تتعامل مع كريدي سويس لتقييم المخاطر المحتملة.
تدخل جراحي لإنقاذ الاستقرار المالي
في ظل الوضع المتفاقم، دعت رئيسة الوزراء الفرنسية إليزابيت بورن السلطات السويسرية إلى التدخل لتسوية الأزمة، فجاءت الاستجابة سريعاً؛ حيث أعلن البنك المركزي السويسري يوم 17 مارس عن توفير سيولة بقيمة 54 مليار دولار لكريدي سويس لتعزيز ملاءته.
لكن بعد يومين فقط، أعلنت السلطات السويسرية عن حل جذري تمثل في صفقة استحواذ عاجلة من قبل بنك UBS على منافسه كريدي سويس مقابل 3.24 مليار دولار في خطوة تهدف إلى احتواء الاضطرابات ومنع تفاقم الأزمة عالمياً. وأكد البنك المركزي توفير دعم مالي ضخم للمؤسستين لتأمين عملية الاندماج واحتواء المخاطر النظامية.
انعكاسات أوسع على الصناعة المصرفية
الأزمات المتلاحقة لم تكن معزولة عن سياق ضغوط أخرى تعرض لها القطاع المصرفي العالمي، أبرزها تراجع عوائد البنوك الاستثمارية للعام الثاني على التوالي نتيجة انخفاض رسوم إبرام الصفقات والإدراجات العامة، الأمر الذي ضرب نماذج الأعمال التي ازدهرت بعد جائحة كورونا بفعل الطفرة الهائلة في النشاط المالي.
موجة تسريحات هي الأكبر منذ 15 عاماً
الضغوط دفعت البنوك إلى تسريع خطط تقليص التكاليف، ما نتج عنه إلغاء أكثر من 62 ألف وظيفة في عام واحد، في أكبر موجة تسريح منذ الأزمة المالية. وبحسب فايننشال تايمز، جاء ما لا يقل عن نصف عمليات التسريح من البنوك الأمريكية التي واجهت صعوبة في التعامل مع سرعة رفع الفائدة في الولايات المتحدة وأوروبا، وفي كثير من الحالات تراجعت البنوك عن توظيفات أجرتها بعد الجائحة عندما أدى الطلب القوي على الصفقات إلى تنافس شرس على استقطاب الكفاءات.
أما أكبر تسريح منفرد فجاء من بنك UBS، الذي ألغى 13 ألف وظيفة من المجموعة المندمجة مع كريدي سويس، مع تلميح الرئيس التنفيذي سيرجيو إرموتي إلى أن عام 2024 سيكون عاماً محورياً في عملية الاندماج، ما ينذر بخفض إضافي للوظائف.
وجاء بنك ويلز فارغو في المرتبة الثانية، بعدما خفّض قوته العاملة بنحو 12 ألف موظف من إجمالي 242 ألف، وكشف عن تخصيص ما يصل إلى مليار دولار لتعويضات نهاية الخدمة، ما يشير إلى إمكانية تسريحات إضافية. وفي المقابل، شطب سيتي غروب 5 آلاف وظيفة، ومورغان ستانلي 4800 وظيفة، وبنك أوف أمريكا 4 آلاف وظيفة، بينما ألغى غولدمان ساكس 3200 وظيفة، وجي بي مورغان ألف وظيفة. وبصورة جماعية، خفضت بنوك وول ستريت الكبرى أكثر من 30 ألف وظيفة خلال 2023 وحده.
اقرأ أيضًا: مورغان ستانلي يحذر من موجة تشاؤم تجتاح وول ستريت