70 مليار دولار لإحياء غزة.. فاتورة الإعمار الأكبر في تاريخ المنطقة
في شوارع قطاع غزة التي تغص بالركام والغبار، تختلط مشاهد الدمار برائحة الموت، فآلاف الأبنية تحولت إلى كتل إسمنتية متهاوية، في الوقت الذي ما زالت فيه فرق الإغاثة تبحث بين الأنقاض عن جثث لم تُنتشل بعد، ووسط هذه الصورة القاتمة أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أن تكلفة إعادة إعمار القطاع المنهك قد تصل إلى 70 مليار دولار، وهي التقديرات الأعلى منذ عقود لأي مشروع إعادة بناء في الشرق الأوسط.
جاكو سيلييرس، الممثل الخاص للمدير العام للبرنامج، قال خلال مؤتمر صحفي في جنيف إن حجم الدمار “صادم بكل المقاييس”، مشيراً إلى أن غزة تضم الآن ما لا يقل عن 55 مليون طن من الأنقاض، أي ما يعادل تقريباً ضعف الركام الناتج عن زلزال تركيا وسوريا عام 2023 مجتمعين مضيفًا أنَّ “الأمر يتجاوز إعادة الإعمار، إنه إعادة بناء حياة كاملة”.
حرب أطفأت المدن ومسحت المعالم
البيانات الأولية تشير إلى تدمير نحو 193 ألف مبنى بشكل كامل، وتضرر 425 ألف وحدة سكنية بدرجات متفاوتة، فضلاً عن توقف البنية التحتية الأساسية، ووجود 19 مستشفى تقريبًا تعمل بطاقة محدودة الآن، فيما دُمرت معظم الطرق الرئيسة وشبكات المياه والكهرباء.
علاوة على ذلك، دمّرت إسرائيل خلال الحرب الأخيرة 95% من الشاحنات والمعدات الثقيلة التي كانت تستخدم في أعمال الخدمات العامة، مما يجعل عملية إزالة الركام نفسها معركة لوجستية معقدة.
ووفق تقديرات فلسطينية، تراكمت 50 مليون طنًا من أنقاض المباني السكنية والمنشآت الصناعية في شوارع مدينة غزة وحدها، ما جعل 90% من شوارع المركز الإداري للقطاع غير صالحة للحركة، والأولوية الآن -بحسب المسؤولين المحليين- هي “إزالة الركام لتبدأ الحياة من جديد”.
خطة أممية للإعمار تمتد لعقد كامل
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قدّر أن عملية إعادة إعمار غزة ستمتد لعشر سنوات على الأقل، حتى في حال توافر التمويل الفوري، وقال سيلييرس إن البرنامج “لديه مؤشرات إيجابية جداً حول التمويل”، مشيراً إلى “التزامات مبدئية من دول عربية، وشركاء أوروبيين، والولايات المتحدة“.
حتى الآن، تمكن البرنامج من إزالة 81 ألف طن من الركام فقط، فيما تُستخدم تقنيات إعادة التدوير لتوفير الأرضيات المؤقتة للملاجئ ورصف بعض الطرق، وأوضح سيلييرس أن ما يقارب 13 ألف طن من الأنقاض أُعيد استخدامها في مشاريع البنية الأساسية الطارئة.
وأكد أن “أولوية الأمم المتحدة حالياً هي فتح الطرق أمام الجهات الإنسانية الفاعلة لتسهيل إيصال المساعدات”، مضيفاً أن “الاستقرار الإنساني شرط أساسي قبل أي حديث عن التنمية”.
اطّلع على تفاصيل خطة ترامب لغزة.. سلام دائم أم صراع بلا نهاية
مؤتمر شرم الشيخ.. أول بصيص أمل
الملف الفلسطيني عاد إلى الواجهة الدولية مع قمة شرم الشيخ التي جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بمشاركة أكثر من ثلاثين من قادة الدول العربية والغربية.
القمة انتهت بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، وبدء المرحلة الأولى من خطة إعادة الإعمار، ودعا البيان الختامي إلى “تنفيذ المراحل التالية من خطة ترامب لتسوية النزاع”، والتي تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة الخدمات الأساسية، وإطلاق برامج إنعاش اقتصادي موازية.
70 مليار دولار.. من سيدفع الفاتورة؟
تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن إعادة إعمار غزة تتطلب ما يعادل نصف الناتج المحلي الإجمالي لدولة مثل أوكرانيا قبل الحرب، وهذا الرقم الهائل يطرح سؤالاً محورياً: من سيتحمل الكلفة؟
الدول العربية الثرية -خاصة الخليجية- أبدت استعداداً أولياً للمشاركة في التمويل، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، وبالمقابل يرى محللون أن الدعم الأمريكي “سيظل مشروطاً بالاستقرار السياسي وبضمانات أمنية لإسرائيل”، ما يجعل مسار التمويل سياسياً بقدر ما هو إنساني. في هذا السياق، قالت المفوضية الأوروبية إن “الاتحاد الأوروبي مستعد لتوفير دعم مالي وتقني، لكنه يحتاج إلى خطة تنفيذ واضحة وإدارة محايدة للأموال لضمان الشفافية”.
وفق التقييمات الأممية، نحو 70% من سكان القطاع البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة نزحوا داخلياً، فيما يُتوقع أن تُكتشف مئات الجثث خلال عمليات إزالة الأنقاض، كما أن خسائر البنية التحتية الأساسية تشمل تدمير 90% من شبكات المياه والصرف الصحي و60% من شبكات الكهرباء، فضلاً عن توقف محطات التحلية، ويُقدر أن قطاع البناء وحده فقد أكثر من 120 ألف وظيفة، ما يرفع معدل البطالة الإجمالي إلى نحو 65%، وهو الأعلى في العالم حالياً.
أزمة صحية وإنسانية موازية
في المؤتمر ذاته، حذّر طارق ياساريفيتش، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، من “كارثة صحية متنامية”، موضحاً أن 16 مستشفى فقط تعمل جزئياً وأن 15.6 ألف مريض، بينهم 3800 طفل، بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل، مضيفًا أن فرق المنظمة تمكنت من الوصول إلى المستشفى الأهلي ومستشفى الأقصى والمستشفى الأوروبي لنقل بعض المعدات إلى مجمع ناصر الطبي، لكنها تواجه صعوبات بالغة في إيصال الإمدادات.
ودعت المنظمة إلى توسيع نطاق عمليات الإجلاء الطبي وإعادة فتح الطرق المؤدية إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية، مؤكدة أن الوضع “يتجاوز قدرات النظام الصحي المحلي على الاستجابة”.
إعادة الإعمار بين السياسة والميدان
الجهود الأممية تواجه عقبتين أساسيتين: الاستقرار الأمني والتعقيدات السياسية، فوقف إطلاق النار الأخير ما زال هشاً، وسط مخاوف من تجدد العنف الذي قد يعرقل المشاريع الإنشائية الكبرى، كما أن التنسيق بين السلطة الفلسطينية والجهات الدولية لا يزال قيد النقاش، في ظل غياب رؤية موحدة لإدارة الإعمار. وقال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن “النجاح يعتمد على بناء هيكل إدارة مشترك يضم مؤسسات فلسطينية وممثلين عن المانحين لضمان سرعة التنفيذ وشفافية التمويل”.
حتى الآن، لم يُعلن عن صندوق دولي موحد لإدارة تمويل الإعمار، لكن الأمم المتحدة تدرس بالتعاون مع البنك الدولي إنشاء آلية تضمن الشفافية والمساءلة في استخدام الأموال، كما أن بعض الدول المانحة ربطت مساهماتها بـ”تحسين الوضع الإنساني واستمرار الهدوء الميداني”، فيما يرى محللون أن الالتزامات السياسية قد تؤخر تدفق التمويل الفعلي إلى الميدان. ومع ذلك، يقول جاكو سيلييرس إن “الإشارات الإيجابية موجودة، والجهات المانحة الكبرى تدرك أن ترك غزة في هذا الوضع سيولّد أزمة إقليمية أوسع”.
تجارب إعادة الإعمار في العراق ولبنان وسوريا، أظهرت أن نجاح أي مشروع ضخم يعتمد على الإرادة السياسية أكثر من الأموال، وفي حالة غزة يواجه المجتمع الدولي تحدياً مزدوجاً: توفير التمويل الضخم وضمان عدم انهيار الهدنة السياسية، ويرى محللون أن إشراك القطاع الخاص العربي في مشاريع الإعمار -خاصة في مجالات الطاقة والإسكان- قد يشكل عاملاً حاسماً لتسريع التعافي.
أمل هشّ في نهاية النفق
قبل الحرب كان اقتصاد غزة يعتمد على المساعدات والمنح بنسبة تفوق 70% من دخله القومي، أما اليوم فالمصانع مدمّرة، والموانئ معطّلة، والتجارة متوقفة تقريباً، ويقدّر البنك الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي للقطاع تراجع بأكثر من 80% خلال العامين الماضيين، فيما تجاوزت الخسائر الاقتصادية المباشرة 17 مليار دولار، تشمل الأصول الصناعية والتجارية والزراعية.
وسط الركام ما زالت هناك قصص أمل صغيرة: أطفال يعودون إلى مدارس مؤقتة، متطوعون يجمعون الأنقاض بأيديهم، ومبادرات شبابية لإعادة تشجير بعض الأحياء، لكن الطريق طويل، وكما يقول المسؤول الأممي: “إعادة بناء غزة ليست مشروعاً هندسياً فقط، بل مشروع حياة”.
ولعلّ الرقم 70 مليار دولار لا يعبّر فقط عن تكلفة الخرسانة والحديد، بل عن ثمن إنساني هائل لمدينةٍ تحاول أن تنهض من تحت الرماد، فهي فاتورة القرن التي ستختبر مدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل الوعود إلى أفعال، وعلى إعادة الأمل إلى واحد من أكثر الأماكن تضرراً على وجه الأرض.
اقرأ أيضًا: بعد عامين من حرب غزة.. هل يقترب الاقتصاد الإسرائيلي من الانهيار؟