بعد أكثر من أربعة عشر عامًا من الحرب التي أنهكت البلاد ودمرت بناها التحتية وأرهقت اقتصادها، كشف الرئيس السوري أحمد الشرع، عن ملامح خطة شاملة لإعادة إعمار البلاد، مؤكدًا أنَّ تكلفة إعادة إعمار سوريا تتراوح بين 600 و900 مليار دولار، وهو رقم يعكس عمق المأساة الاقتصادية التي خلفتها الحرب، ويدل على أن سوريا مقبلة على مرحلة تتطلب تعاونًا دوليًا واسع النطاق وإصلاحًا داخليًا جذريًا لإعادة بناء الدولة والمجتمع معًا.
هذا التصريح أعاد إلى الواجهة ملف “ما بعد الحرب”، وطرح تساؤلات حول مصادر التمويل، وإمكانية تجاوز العقوبات، وحدود الشراكات الدولية، ودور الموارد المحلية في إنعاش الاقتصاد.
العقوبات.. المعوق الأكبر لبدء الإعمار
الرئيس الشرع شدد على أن العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على سوريا تمثل العقبة الأبرز أمام أي عملية إعمار حقيقية، وأكد أن استمرارها لا يُعاقب النظام الحالي بل يعاقب الشعب السوري الذي دفع ثمن الحرب، وأضاف أن “من يعيق رفع العقوبات يعتبر شريكًا في الجريمة التي تم ارتكابها بحق السوريين”، داعيًا المجتمع الدولي إلى التعامل مع سوريا الجديدة بمنطق التعاون لا العزل.
وأشار إلى أنَّ العالم “راقب المأساة السورية طوال 14 عامًا دون أن يتمكن من منع الجريمة الكبرى التي وقعت بحق الشعب السوري”، معتبرًا أن الواجب الأخلاقي يفرض على المجتمع الدولي اليوم دعم سوريا لاستعادة قدرتها على النهوض الاقتصادي والاجتماعي.
وفي السياق ذاته، أوضح الرئيس السوري أنَّ بلاده بدأت الدخول تدريجيًا في مرحلة ما بعد العقوبات، لا سيما بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر من العام الماضي، فمع التغييرات السياسية التي شهدتها البلاد بدأ المجتمع الدولي بإعادة النظر في القوانين المقيدة، وخصوصًا قانون “قيصر” الأمريكي الذي فرض عقوبات قاسية على دمشق.
وذكر الشرع أنَّ مجلس الشيوخ الأمريكي صوَّت مؤخرًا على إلغاء القانون، ومن المتوقع أن يُصبح القرار نافذًا بعد توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الموازنة الجديدة، وهذه الخطوة –وفقًا له– تمثل انطلاقة جديدة لإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي، بما يسمح بعودة الشركات الأجنبية والاستثمارات الدولية إلى السوق السورية بعد سنوات من العزلة.
اقرأ أيضًا: ترامب يوقع قرار رفع العقوبات عن سوريا.. باستثناء الأسد وداعميه
الشرع: إعادة بناء الإنسان قبل الحجر
تحدث الرئيس الشرع عن واقع اقتصادي شديد الصعوبة، موضحًا أن الحرب دمّرت البنية التحتية والمرافق العامة، وأفقدت البلاد قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، كما تراجعت الليرة السورية إلى أدنى مستوياتها، إذ بلغ سعر الصرف نحو 11 ألف ليرة للدولار مقابل 50 ليرة فقط قبل الحرب.
ولمواجهة هذا الانهيار، كشف الشرع عن خطة وطنية لإعادة التوازن الاقتصادي تشمل إصلاح النظام المصرفي، وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتوليد فرص عمل جديدة، مع التركيز على إعادة تشغيل القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية.
وأوضح أن أكثر من مليون سوري فقدوا حياتهم، بينما تشرّد الملايين في الداخل والخارج، وأن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون مجرد عملية هندسية، بل يجب أن تكون مشروعًا وطنيًا متكاملًا يشمل الجانب النفسي والاجتماعي للسوريين الذين عانوا من ويلات الحرب وفقدوا الثقة في المستقبل.
وقال الرئيس السوري إنَّ “إعادة الإعمار لا تعني فقط ترميم المدن، بل إعادة بناء الإنسان السوري نفسه”، وأوضح أن أجيالًا كاملة تعاني من صدمات نفسية عميقة جراء الحرب، وأن الحكومة ستطلق برامج دعم نفسي واجتماعي وتعليمي لتمكين المتضررين من العودة إلى مجتمعاتهم بثقة وأمل. كما شدَّد على أن عودة اللاجئين تمثل أولوية قصوى، وأن الدولة تعمل على توفير بيئة آمنة وفرص معيشية مستقرة لضمان عودتهم.
انتخابات بعد استقرار البنية التحتية
أكَّد الشرع أنَّ سوريا ستتجه نحو تنظيم انتخابات عامة شاملة فور اكتمال إعادة بناء البنية التحتية وتوفير الوثائق الرسمية لجميع المواطنين، مشيرًا إلى أن الهدف هو تأسيس دولة ديمقراطية حديثة تستوعب جميع أبنائها دون تمييز، وقال: “لن نعيد بناء ما تهدم فقط، بل سنعيد بناء الثقة بين السوريين والدولة، وسنرسم معًا ملامح سوريا الجديدة التي تستحقها أمتنا”.
اطّلع على تشكيلة حكومة سوريا الجديدة
قراءة تحليلية لتصريحات الشرع
يرى الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد الدولي، أنَّ تصريحات الرئيس السوري تكشف بوضوح حجم التحدي الاقتصادي الذي تواجهه دمشق، مؤكدًا أن إعادة الإعمار تمثل معركة بقاء للدولة السورية، وأن أي خطة جادة للنهوض تتطلب تعبئة الموارد المحلية وإصلاحًا هيكليًا شاملًا لقطاع الطاقة.
وأوضح حسين أنَّ رفع العقوبات يمثل المدخل الحقيقي لأي عملية إعمار، وأن إلغاء قانون قيصر سيعيد الثقة بالاقتصاد السوري ويفتح الأبواب أمام استثمارات عربية ودولية ضخمة، لكنه شدد على ضرورة إنشاء صندوق سيادي لإعادة الإعمار يخضع للرقابة البرلمانية والدولية لضمان الشفافية، مشيرًا إلى أن غياب الحوكمة والرقابة المالية كان أحد أسباب انهيار الاقتصاد في السابق.
كيفية استثمار القطاع النفطي السوري
وشدد أستاذ الاقتصاد الدولي على أن الاعتماد على الموارد المحلية أصبح ضرورة وطنية، محذرًا من استمرار الرهان على المنح والقروض الخارجية، وأوضح أن سوريا تمتلك احتياطات نفطية وغازية يمكن أن تُغنيها عن الاستيراد وتؤمن احتياجاتها الأساسية من الطاقة، التي تُعد العمود الفقري لأي اقتصاد منتج.
وأشار إلى أن 40% من الواردات السورية مرتبطة بقطاع الطاقة، ما يجعل تطوير هذا القطاع مفتاحًا لتقليص فاتورة الاستيراد الضخمة، وتحرير موارد مالية يمكن استثمارها في التعليم والصحة والبنية التحتية.
وأضاف أنَّ إعادة تأهيل الحقول النفطية واستثمار الموارد الوطنية بكفاءة ستوفر الاكتفاء الذاتي وتخفف الضغط عن الموازنة العامة، وتعيد تنشيط الاقتصاد من الداخل بعيدًا عن الاعتماد المفرط على المساعدات الدولية.
اقرأ أيضًا: سوريا تطلق أضخم خطة استثمارية بـ14 مليار دولار
الإعمار مشروط بالإصلاح المؤسسي
أكد الدكتور ياسر أن نجاح عملية الإعمار مشروط بإصلاح مؤسسي حقيقي يعيد الثقة بين الدولة والمستثمرين المحليين والأجانب، داعيًا إلى تأسيس هيئة وطنية مستقلة لإدارة أموال الإعمار وتحديد الأولويات التنموية. كما شدد على أن العدالة الانتقالية تمثل ركيزة أساسية لاستعادة الثقة، موضحًا أن ملاحقة رموز الفساد واستعادة الأموال المنهوبة شرط ضروري لإقناع المجتمع الدولي بتمويل مشاريع الإعمار.
وفي سياق آخر، أشار أستاذ الاقتصاد الدولي إلى أن الحرب خلفت ندوبًا اجتماعية عميقة، ما يجعل إعادة الإعمار النفسي والمجتمعي ضرورة موازية لإعادة البناء المادي، وذكر أيضًا أنّ سوريا الجديدة مطالبة بانفتاح اقتصادي متوازن قائم على شراكات قائمة على الاحترام المتبادل مع الدول العربية ودول آسيا الصاعدة مثل الصين والهند.
الاستقرار السياسي أساس الإصلاح الاقتصادي
أوضح الدكتور ياسر أن أي عملية انتخابية أو تحول ديمقراطي “لن تكون ذات معنى إذا لم تتوفر لها قاعدة اقتصادية مستقرة”، مشددًا على أن الاستقرار السياسي والاقتصادي متلازمان. وأكد ضرورة بناء قاعدة بيانات دقيقة وإعادة إصدار الوثائق الرسمية للمواطنين تمهيدًا لإجراء انتخابات شفافة تمثل الجميع.
وفي ختام تحليله، لفت الدكتور ياسر حسين إلى أنَّ إعادة إعمار سوريا ليست مشروعًا هندسيًا فقط، بل مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة والإنسان معًا، وقال: “الاقتصاد السوري قادر على النهوض من الركام إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية والإدارة الرشيدة؛ فالإعمار الحقيقي هو استعادة السيادة الاقتصادية والكرامة الوطنية، وليس مجرد إعادة بناء المدن”.
اقرأ أيضًا: 70 مليار دولار لإحياء غزة.. فاتورة الإعمار الأكبر في تاريخ المنطقة