نجح مؤتمر الأطراف COP28 في التوصل، للمرة الأولى، إلى التزام دولي صريح بالتحول بعيداً عن جميع أنواع الوقود الأحفوري، في خطوة تُعد محطة مفصلية في مسار العمل المناخي العالمي.
وجاء الإعلان عن “اتفاق الإمارات” بعد يوم من الموعد المقرر، عقب مفاوضات مكثفة استمرت طوال الليل، لتسجل هذه الدورة سابقة تاريخية بإدراج نص شامل يتعلق بالوقود الأحفوري التقليدي ضمن البيان الختامي لمؤتمرات الأطراف. ومن شأن الاتفاق أن يدفع زخماً حقيقياً نحو تنفيذ الأهداف المناخية العالمية، مع تحفيز الاستثمارات الضرورية لتمويل التحول في أنظمة الطاقة، مع مراعاة توازن المصالح بين الدول النامية الصغيرة والاقتصادات الكبرى.
الاتفاق، الذي تُوّجت به أعمال القمة المنعقدة في دبي منذ 30 نوفمبر 2023، يدعو الدول إلى تسريع التحول في أنظمة الطاقة بعيداً عن الوقود الأحفوري بطريقة عادلة ومنظمة، بما يعني إشراك جميع الدول في جهود التحول العالمي ضمن إطار تعاوني، بدلاً من فرض التزامات أحادية صارمة على دول بعينها.
الحزمة التاريخية
خلال كلمته الختامية التي أعلن فيها الاتفاق، أشاد سلطان الجابر، رئيس COP28، بما وصفه بـ«الحزمة التاريخية» التي خرج بها المؤتمر، مؤكداً أنها تستهدف تسريع وتفعيل جهود مواجهة التحديات المناخية عالمياً.
ومع ذلك، لم يتضمن الاتفاق إطاراً زمنياً واضحاً لوتيرة التحول المرتقب في أنظمة الطاقة، وهو تحول يفترض أن تشارك فيه الحكومات والمستثمرون والمستهلكون على حد سواء، ما يثير تساؤلات جدية حول فاعليته. ويعزز هذه الشكوك أن مؤتمر COP26 في غلاسكو كان قد أقر قبل عامين تعهدات بالتخلص التدريجي من الفحم، لكن الاستهلاك العالمي للفحم ارتفع لاحقاً بفعل أزمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا. وعليه، يبقى تحقيق هدف الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية –كما نصت عليه اتفاقية باريس للمناخ– محل شك كبير.
من جانبه أكد الجابر، في الجلسة الختامية لقمة الأمم المتحدة للمناخ، أن العالم كان بحاجة إلى «مسار جديد للعمل»، مضيفاً أن التركيز على الهدف الرئيسي أفضى إلى رسم هذا المسار. وأوضح أن المؤتمر قدم استجابة شاملة لنتائج التقييم العالمي للعمل المناخي، وأن المفاوضات اكتملت عبر مواجهة الحقائق العلمية بصورة مباشرة لتوجيه العالم نحو المسار الصحيح.
وأضاف أن المؤتمر خرج بخطة عمل متكاملة للحفاظ على إمكانية تحقيق هدف 1.5 درجة مئوية، تقوم على خفض الانبعاثات، وسد فجوات التكيف، وإعادة صياغة منظومة التمويل المناخي العالمية، إلى جانب تلبية متطلبات معالجة الخسائر والأضرار.
اقرأ أيضًا: منطقة الشرق الأوسط في قلب صراع المناخ
اتفاق الإمارات
أكد سلطان الجابر أن «اتفاق الإمارات» قام على إيجاد أرضية مشتركة تستوعب مختلف الأطراف، ويستند إلى التعاون والعمل الجماعي، مشيراً إلى أنه يتضمن حزمة إجراءات معززة ومتوازنة تمثل «خطة تاريخية لتسريع العمل المناخي».
وأضاف أن ما اعتبره كثيرون أمراً غير قابل للتحقق أصبح واقعاً، موضحاً أنه وعد منذ افتتاح المؤتمر بنموذج مختلف يجمع القطاعين الحكومي والخاص، وممثلي المجتمع المدني، والقيادات الدينية، والشباب والشعوب الأصلية، وهو ما تحقق بالفعل عبر مشاركة واسعة أسهمت في إنجاز الاتفاق.
وخلال استعراضه نتائج مؤتمر COP28، أوضح الجابر أنه جرى تفعيل الصندوق العالمي لمعالجة تداعيات تغير المناخ والبدء بتمويله، إلى جانب حشد تعهدات مالية جديدة تتجاوز 85 مليار دولار، وإطلاق صندوق «ألتيرّا» للاستثمار المناخي كأكبر صندوق خاص عالمي يركز بالكامل على حلول تغير المناخ.
كما أشار إلى الاتفاق على زيادة القدرة الإنتاجية العالمية لمصادر الطاقة المتجددة إلى ثلاثة أضعاف، ومضاعفة معدل كفاءة الطاقة، وإطلاق إعلانات تتعلق بقطاعات الزراعة والغذاء والصحة، إضافة إلى مبادرة انضمت إليها عشرات شركات النفط والغاز للحد من انبعاثات غاز الميثان وغيرها من الانبعاثات. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، التي تُطبق لأول مرة على نطاق عالمي، تستهدف بناء اقتصاد أكثر نظافة وعدالة واستدامة.
أبرز ما تم إنجازه في “COP28”
إضافة إلى ما سبق، تمّ الإشارة إلى أهمية تطبيق الإجراءات الآتية باعتبارها مسؤولية مجتمعية دولية مشتركة:
أولاً: مضاعفة التحول في الطاقة النظيفة
رفع القدرة الإنتاجية العالمية للطاقة المتجددة إلى ثلاثة أمثالها، مع مضاعفة المعدل السنوي لتحسين كفاءة استخدام الطاقة بحلول عام 2030، بما يعزز أمن الطاقة ويخفض كثافة الانبعاثات في مختلف القطاعات الاقتصادية.
ثانياً: تسريع التخارج من الفحم عالي الانبعاثات
الإسراع في التخفيض التدريجي لإنتاج واستخدام الفحم غير المزود بتقنيات الحد من الانبعاثات، والحد من التوسع في إنشاء محطات جديدة تعتمد على هذا النوع من الفحم، في خطوة تستهدف تقليص أحد أكبر مصادر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالمياً.
ثالثاً: بناء أنظمة طاقة خالية من الانبعاثات
تكثيف الجهود لإنشاء منظومات طاقة خالية من الانبعاثات، مع التوسع في استخدام الوقود منخفض الكربون أو الخالي منه قبل منتصف القرن أو بحلول عام 2050 تقريباً، بما ينسجم مع أهداف الحياد الكربوني العالمية.
رابعاً: التحول التدريجي عن الوقود الأحفوري
الشروع في التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري داخل أنظمة الطاقة اعتباراً من العقد الحالي، بصورة عادلة ومنظمة ومنصفة، وصولاً إلى تحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول 2050 وفق ما تقتضيه المعايير العلمية.
خامساً: توسيع استخدام تقنيات خفض وإزالة الانبعاثات
تسريع نشر تقنيات الطاقة المتجددة والطاقة النووية، وتطبيق تقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، خصوصاً في القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها، إلى جانب التوسع في إنتاج الهيدروجين منخفض الكربون، بما يدعم استبدال مصادر الطاقة الأحفورية غير المعالجة.
سادساً: تقليص الانبعاثات غير الكربونية
خفض الانبعاثات الأخرى بخلاف ثاني أكسيد الكربون، وعلى رأسها غاز الميثان، بشكل كبير بحلول عام 2030، نظراً لدوره السريع في تسريع الاحترار العالمي.
سابعاً: خفض انبعاثات النقل البري
تسريع وتيرة إزالة الكربون من قطاع النقل البري عبر مسارات متعددة، تشمل تطوير البنية التحتية اللازمة والتوسع السريع في نشر المركبات عديمة الانبعاثات.
ثامناً: إصلاح دعم الوقود الأحفوري
الإلغاء التدريجي للدعم غير الفعّال للوقود الأحفوري، لا سيما ذلك الذي لا يساهم في معالجة فقر الطاقة أو تحقيق العدالة في مسار التحول، وذلك في أقرب إطار زمني ممكن، بما يعيد توجيه الموارد نحو استثمارات أكثر استدامة.
رغم أنّ “اتفاق الإمارات” الذي انبثق عن COP28 كان حجر زاوية في تاريخ مفاوضات المناخ، كونه نجح في كسر المحرمات السياسية والاقتصادية حول الوقود الأحفوري، إلا أنّ نجاح هذه الحزمة التاريخية لا يتوقف عند صياغة النصوص، بل يعتمد على مدى التزام الدول الكبرى بترجمة هذه التعهدات إلى سياسات استثمارية ملموسة، وهذا ما سيتبيّن خلال السنوات القادمة!
اقرأ أيضًا: مؤتمر المناخ COP29.. اتفاقيات جديدة للتعويضات الكربونية تُثير الجدل