الدين العام هو مجموع القروض التي تتحملها الدولة تجاه المقرضين سواء كانوا من داخل الدولة أو خارجها، وقد يكون هؤلاء المقرضون أفرادًا أو شركات أو حكومات أخرى. بعبارة أخرى، يُعرف الدين العام بأنه الأموال التي تقترضها الحكومة لتغطية احتياجاتها المالية، سواء كانت بهدف مواجهة العجز في الميزانية العامة، أو تغطية النفقات الجارية، أو تمويل مشاريع التنمية، أو التعامل مع ظروف طارئة.
فهم الدين العام
خلال السنوات القليلة الماضية، ومع تكرار الأزمات الاقتصادية العالمية، أصبح الدين العام من أبرز المصطلحات التي تتصدر الأخبار اليومية وعناوين الصحف؛ فقد أصبح أداة شائعة وواسعة الانتشار لتمويل الإدارات الحكومية، إذ يتيح توفير السيولة اللازمة لتحقيق الأهداف المحددة من قبل الحكومات، سواء لتمويل المشاريع التنموية أو لسد العجز في الموازنات العامة. وعادةً ما يتم الحصول على هذه الأموال عبر إصدار سندات موجهة للمستثمرين المحليين أو الأجانب بالعملات المحلية أو الأجنبية مثل الدولار واليورو، أو من خلال الاقتراض من الصناديق الإقليمية والدولية، أو عبر البنوك.
ويشير البنك الدولي إلى أنَّ تحقيق أهداف التنمية المستدامة يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية ورأس المال البشري، بالإضافة إلى بناء القدرة على التكيف مع تغير المناخ. ومع ذلك، غالبًا ما تواجه الحكومات، خصوصًا في الدول النامية، قيودًا في تدبير الإيرادات من الأسواق المحلية أو الاستثمارات الخاصة، مما يجعل التمويل بالدين ضرورة حيوية.
لكن الدين العام يجب أن يكون ضمن مستويات مستدامة، إذ أن المستويات غير المنضبطة قد تضر بالنمو الاقتصادي وتفاقم معاناة الفقراء، لهذا يشترط أن يتسم الدين العام بالشفافية وتحسن إدارته ويستُخدم في إطار سياسات نمو موثوقة حتى يكون أداة موثوقة. ومع ذلك، كثيرًا ما تكون النتائج عكسية؛ إذ إنَّ ارتفاع الدين العام قد يحد من الاستثمار الخاص، ويزيد الضغوط على المالية العامة، ويقيد الإنفاق الاجتماعي، ويضعف قدرة الحكومات على تنفيذ الإصلاحات.
في السنوات الأخيرة، شهدت بلدان الأسواق الصاعدة والدول منخفضة الدخل ارتفاعًا قياسيًا في مخاطر الدين، حيث بلغ إجمالي الدين الخارجي لهذه الدول 8.1 تريليونات دولار في نهاية عام 2019، ثلثها مستحق لدائنين من القطاع الخاص.
لماذا تلجأ الدول للاقتراض؟
تلجأ الحكومات إلى الاقتراض لتمويل الإنفاق العام وتنفيذ برامجها التنموية كبديل عن زيادة الضرائب أو طباعة النقود، وذلك لتجنب التأثير السلبي على قطاعات الأعمال والأُسَر، والحفاظ على التضخم ضمن مستويات مقبولة، لذلك تفضل الحكومات الاستدانة من الأسواق المحلية أو الخارجية.
كما ترى بعض الدول أن تمويل المشاريع التنموية عبر الضرائب قد يكون غير عادل للمواطنين، حيث يستفيد من هذه المشاريع غالبًا الأجيال القادمة، لهذا يتم اللجوء إلى الاقتراض طويل الأجل، بحيث تتحمل الأجيال المستقبلية جزءًا من تكاليف هذه المشاريع.
أنواع الديون الحكومية
الاقتراض المحلي
في هذا النوع من الاستدانة تقوم الحكومة ببيع سنداتها للبنوك والمستثمرين داخل الدولة، ويُشترى السند مقابل فائدة تحددها معدلات العرض والطلب والعوامل الاقتصادية، إضافة إلى أسعار الفائدة الأساسية التي يقرها البنك المركزي. وعلى الرغم من أن الاقتراض المحلي أقل مخاطرة مقارنة بالاقتراض الخارجي، إلا أنه يحمل بعض المخاطر، منها:
- تراكم الدين الداخلي دون تسارع كافٍ في معدلات النمو أو الإيرادات الضريبية.
- تآكل القوة الشرائية للعملة المحلية مع ارتفاع مستويات الدين.
- استنزاف السيولة داخل البنوك والقطاع الخاص.
- ارتفاع معدلات الفقر في بعض الحالات.
وبناء على ما سبق، لا بد من أن يخضع الاقتراض الداخلي لاستراتيجيات مدروسة تُحدد الحدود الآمنة للدين الداخلي وتدير مخاطره وآجال سداده.
الاقتراض الخارجي
يلجأ الاقتراض الخارجي إلى الأسواق الدولية، من خلال عدة طرق، مثل: إصدار سندات دولية بعملات مختلفة مثل الدولار واليورو واليوان الصيني والين الياباني، أو الحصول على قروض ثنائية من حكومات أخرى أو من مؤسسات دولية، أو القروض المشتركة التي تقدمها عدة بنوك كبرى.
وعلى الرغم من أن الاقتراض الخارجي يوفر للحكومات خيارات متعددة وآجال سداد متنوعة، إلا أنه ينطوي على مخاطر كبيرة، أبرزها:
- تعرض الدولة للضغوط السياسية من الدول الأخرى.
- تدقيق التصنيفات الائتمانية بشكل مكثف من قبل المؤسسات العالمية.
- زيادة حساسية الاقتصاد للتغيرات في أسعار الصرف الدولية.
- إرهاق الموازنات العامة وتقليص قدرة الحكومة على الإنفاق الاجتماعي.
- تضرر تصنيف الشركات في حال تدهور التصنيف السيادي للدولة.
الفرق بين الدين العام والدين الخارجي
الدين الخارجي هو المبلغ المستحق للمستثمرين الأجانب سواء على الحكومة أو على القطاع الخاص، وعلى الرغم من تأثير الدين العام على الدين الخارجي إلا أنهما يختلفان من حيث التعريف والتأثير؛ فعادةً ما يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة على الدين العام إلى زيادة تكلفة الدين الخارجي، بل وحتى تكلفة ديون الشركات الخاصة، الأمر الذي يشكل سببًا رئيسيًا يدفع الشركات للضغط على الحكومات للحفاظ على مستويات الدين العام ضمن حدود معقولة ومستدامة.
هل الدين العام مفيدًا للدولة؟
كما ذكرنا سابقًا، يشكل الدين العام وسيلة فعّالة للبلدان للحصول على أموال إضافية تُستخدم في تعزيز النمو الاقتصادي، وعند إدارة الدين العام بشكل سليم يمكنه تحسين مستويات المعيشة من خلال تمويل بناء الطرق والجسور، وتطوير التعليم وبرامج التدريب المهني، وتوفير معاشات التقاعد، الأمر الذي بدوره بدوره يُشجع الأفراد على الإنفاق بدل الادخار المفرط، مما يعزز النشاط الاقتصادي ويساهم في نمو البلاد.
ومع ذلك، تميل بعض الحكومات إلى تحمل مستويات أعلى من الدين أكثر مما ينبغي، نظرًا لأنه يتيح لها زيادة الإنفاق وتطوير المشاريع دون اللجوء إلى فرض ضرائب قد تكون غير مقبولة للمواطنين، وعندما يصل الدين إلى مستويات حرجة أو يُدار بشكل غير كفؤ يُصبح الاقتصاد أكثر عرضة للمخاطر، وتستنزف موارده، مما يؤدي إلى انعكاسات سلبية على مؤشرات الاقتصاد وقطاعات الأعمال ورفاهية المواطنين.
الاستثمار في ديون الحكومات
تمثل إصدارات الديون الحكومية استثمارًا مرغوبًا من قبل المستثمرين، خاصة السندات والقروض الصادرة عن الدول ذات التصنيفات الائتمانية العالية، إذ تمنح هذه الاستثمارات أمانًا نسبيًا وجاذبية أكبر مقارنة بالاستثمار الأجنبي المباشر، كما تقل مخاطرتها عن الاستثمار في الشركات العامة عبر الأسواق، نظرًا لدعم الحكومة لهذه الإصدارات.
ومع ذلك، عندما يتراجع التصنيف الائتماني للدولة أو تواجه اقتصادها أزمات تؤثر على جاذبيته، تصبح السندات المرتبطة بهذه الحكومة أقل رغبة لدى المستثمرين، فتتراجع أسعارها وترتفع العوائد المطلوبة عليها، مما يضع ضغطًا على قدرة الشركات في إصدار الديون أو الحصول على التمويل اللازم لتسيير أعمالها.