السياسة المالية

 

أثّرت جائحة كورونا بعمق على الاقتصاد العالمي، حيث تسببت في موجة واسعة من الإغلاقات التي طالت معظم دول العالم، وأدت إلى فقدان ملايين الأشخاص لوظائفهم ودخول الاقتصاد العالمي في حالة انكماش حاد، وقد تحوّل الوضع إلى كابوس اقتصادي بعدما فقد الكثيرون مصادر دخلهم وأصبحوا عاطلين عن العمل، ما دفع الحكومات إلى التدخل العاجل عبر ضخ السيولة وتطبيق حزم من الإجراءات الاقتصادية الضخمة، سواء في الدول الغنية أو الفقيرة. وقد شكّلت السياسات المالية للحكومات والسياسات النقدية للبنوك المركزية ركيزة أساسية في التخفيف من تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي.

شرح مفهوم السياسة المالية

عند النظر إلى تعريفات السياسة الماليّة Fiscal Policy نرى أنّها جميعها متقاربة إلى حد كبير، حيث تدور حول القرارات أو الإجراءات والتدابير التي يتم اتخاذها من قِبل الحكومات أو ما يمثلها مثل وزارة الماليّة للتأثير على الاقتصاد، وتشير السياسة المالية إلى استخدام الإنفاق الحكومي والسياسات الضريبية للتأثير على الظروف الاقتصادية، خاصة ظروف الاقتصاد الكلي، بما في ذلك إجمالي الطلب على السلع والخدمات والتوظيف والتضخم والنمو الاقتصادي، وغالبا ما تتناقض السياسة المالية مع السياسة النقدية التي تتحكم بها البنوك المركزية وليس الحكومات.

ما هي أنواع السياسة المالية؟

هناك نوعان للسياسة المالية، هما السياسة المالية التوسعية والسياسة المالية الانكماشية، سيتم توضيحهما فيما يأتي:

السياسة المالية التوسعية

يتم استخدام هذا النوع من السياسات في حالات الركود الاقتصادي والكساد، وعند ازدياد نسب البطالة وحدوث تباطؤ في النمو الاقتصادي، ويسمى توسعياً لأنَّه يستلزم من الحكومة أن تتوسع في إنفاق المزيد من الأموال أو خفض الضرائب أو كليهما، وذلك بهدف ضخ المزيد من الأموال في أيدي المستهلكين حتى ينفقوا أكثر ويحفزوا الاقتصاد على النمو، لضمان عدم إضعاف القوّة الشرائيّة لهم.

الضرائب

عندما تقوم الحكومة بتخفيض الضرائب فإن ذلك يترك لدى الأفراد مبالغ مالية أكبر للإنفاق أو الاستثمار، حيث يدفعون ضرائب أقل مقارنة بالسابق، وهذا الفائض المالي يشجعهم على زيادة استهلاكهم واستثماراتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع الطلب على السلع والخدمات، فتضطر الشركات نتيجة لذلك إلى توظيف المزيد من العمال لتلبية الطلب المتزايد، مما يسهم في خفض معدلات البطالة، وزيادة الأجور، ومنح المستهلكين قدرة أكبر على الإنفاق والاستثمار.

الإنفاق

الإنفاق يتبع نفس المبدأ؛ فعند قيام الحكومة بزيادة إنفاقها على الأفراد من خلال الإنفاق المباشر كالإعانات وبدلات التعطّل ورواتب التقاعد وغيرها، فإنَّ هذا سيزيد من كمية الأموال لدى المستهلكين الذين تأمل الحكومة منهم زيادة الإنفاق، وبالتالي زيادة الاستهلاك وتحفيز الاقتصاد، أو عن طريق الإنفاق غير مباشر بزيادة دعم السلع المحليّة وشرائها، لتقوم الشركات بكسب المزيد من الأرباح وتوظيف المزيد من الأشخاص وتقليل معدلات البطالة، وزيادة الأجور، وأخيرًا زيادة الناتج المحلي الإجمالي.

سلبيات السياسة المالية التوسعية

تعد العجوزات المتزايدة من بين الشكاوى المقدمة بشأن السياسة المالية التوسعية، حيث يشكو النقاد من أن تدفق الأموال التحفيزية من الحكومات يثقل كاهل النمو ويخلق الحاجة إلى تقشف مدمر، كما يشكك العديد من الاقتصاديين في فعالية السياسات المالية التوسعية، قائلين إن الإنفاق الحكومي يزاحم بسهولة استثمارات القطاع الخاص.

وعلى المدى البعيد، قد يخرج التوسع الاقتصادي عن السيطرة، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع الأجور إلى زيادة معدلات التضخم، وتبدأ فقاعات الأصول بالتكون، وعندما تنفجر فقاعات الديون يزداد خطر التخلف عن السداد على نطاق واسع، ما قد يتسبب في أضرار جسيمة للاقتصاد.

السياسة المالية الانكماشية

يتم استخدام هذا النوع من السياسة الماليّة في حالات معينة لإبطاء النمو الاقتصادي، الذي أدى إلى نمو التضخم وزيادة الأسعار بشكل كبير، وعلى عكس السياسة التوسعيّة تقوم السياسة الانكماشيّة بزيادة الضرائب أو خفض الإنفاق العام أو كليهما، وذلك بهدف خفض معدلات النمو لإعادة التوازن إلى الدورة الاقتصادية وتحقيق الاستقرار في الاقتصاد.

الضرائب

تقوم الحكومة بزيادة نسب الضرائب وخفض الاستثمارات وزيادة أسعار بعض السلع والتقليل من صافي دخول المستهلكين، وهذا يؤدي بالنهاية إلى هدف مشترك هو تقليل الاستهلاك لإبطاء معدلات النمو، وتحقيق التوازن في الدورة الاقتصاديّة ومعالجة حالات التضخم المرتفعة.

الإنفاق

على صعيد الإنفاق، تقوم الحكومات في هذه الحالة بتقليص الإنفاق العام بشكل مباشر أو غير مباشر، مما يقلل كمية الأموال المتدفقة إلى الأفراد، ويساعد في خفض الاستهلاك والطلب الكلي، وبالتالي إبطاء وتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي. وغالبًا ما يؤدي هذا النهج إلى تحقيق فائض في الميزانية العامة نتيجة خفض النفقات، لكنه في الوقت ذاته يهدف إلى إعادة ضبط التوازن الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل.

أهداف السياسة المالية

تسعى السياسة المالية من خلال أدواتها المختلفة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي تدعم استقرار الاقتصاد الوطني وتعزز التنمية المستدامة. ومن أبرز هذه الأهداف:

  • تصحيح مسار عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية

بما أن السياسة المالية تستطيع التدخل بكل مرحلة من مراحل دورة الاقتصاد، وتستطيع أن تؤثر فيها تأثيراً كبيراً، فإن من الممكن استخدام أدواتها للقضاء على بعض العيوب والأمراض التي تشوب مراحل هذه الدورة.

  • التأثير على الحالة الاقتصادية التي تمر بها البلاد

تستطيع الحكومة باستخدام أدوات السياسة المالية التأثير على الحالة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، ففي حالة الرواج تعمد الحكومة إلى زيادة الضرائب ورفع سعر الفائدة لخفض الطلب على الاستثمار، فتهدأ الحركة التضخمية، أما في حالة الكساد تقوم الدولة بتخفيض الضرائب لتشجيع الاستهلاك وزيادة الدخول وتخفيض سعر الفائدة لتشجيع الطلب على الاستثمار، فيعود الاستقرار والتوازن إلى الاقتصاد الوطني.

  • زيادة معدلات النمو الاقتصادي

تسعى الدول إلى رفع معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي بوصفه هدفًا رئيسيًا للسياسة المالية، ولتحقيق ذلك يجب اختيار التوازن المناسب بين أدوات السياسة المالية (الضرائب والإنفاق العام) بما يخدم هدف تعزيز النمو وتحفيز الأنشطة الإنتاجية.

  • تحقيق العدالة الاجتماعية

تستطيع السياسة المالية المساهمة في تحقيق العدالة الاجتماعية وذلك باستخدام أدواتها مثل الضرائب، والإنفاق العام، وغيرها، حيث تستطيع الدولة القيام بزيادة الضرائب على الطبقات الغنية وتخفيضها على الطبقات الفقيرة، أو زيادة الإنفاق العام على المشروعات الخدمية والقطاعات غير الإنتاجية في الاقتصاد مثل الصحة، والتعليم، والرياضة، والثقافة وغيرها، والمرافق الأخرى التي يستفيد منها الفقراء وأصحاب الدخل المحدود بشكل مباشر.

كما يمكن أن تقدم الدولة المساعدات للعائلات كثيرة العدد، أو العائلات التي لا تجد عملاً، أو بشكل عام للعاطلين عن العمل، وكذلك لكبار السن وغيرهم، وبذلك تكون الدولة قد سعت إلى إعادة توزيع الدخل لصالح الطبقات الفقيرة.

أهمية السياسة المالية

تُعدّ السياسة المالية عنصرًا محوريًا في هيكل الاقتصاد الوطني، إذ تلعب دورًا أساسيًا في تعزيز تكوين رأس المال في كلٍّ من القطاعين العام والخاص، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء.

1. تمويل المشاريع الاستثمارية وتعزيز التنمية

تساهم السياسة المالية في تعبئة الموارد اللازمة لتمويل المشاريع الاستثمارية داخل الدولة، ويُعد الإنفاق الحكومي إحدى أدواتها الرئيسية، حيث يُوجَّه إلى دعم مشروعات التنمية الاقتصادية مثل بناء البنية التحتية من جسور وأنفاق وطرق ومطارات وقطارات، إلى جانب تمويل الإنفاق غير التنموي كالإعانات وبدلات التعطل والرواتب الحكومية والمعاشات التقاعدية، والتي توفر حوافز إضافية للقطاع الخاص لتوسيع أنشطته الاستثمارية.

2. تقليص فجوة الدخل والثروة

تسهم السياسة المالية في إعادة توزيع الدخل والثروة بين طبقات المجتمع من خلال أدوات ضريبية فعّالة، مثل:

    • فرض ضرائب مباشرة على الدخل لجميع الأفراد العاملين بما يتناسب مع رواتبهم.
    • فرض ضرائب أعلى على السلع الكمالية وشبه الكمالية، ما يساعد على تحويل جزء من أموال ذوي الثروات الكبيرة عبر الضرائب إلى دعم الفئات ذات الدخول المنخفضة.

3. السيطرة على التضخم واستقرار الأسعار

تلعب السياسة المالية دورًا أساسيًا في كبح معدلات التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار من خلال أدواتها الضريبية والإنفاقية التي تُوازن بين العرض والطلب في الاقتصاد.

4. تحقيق التنمية الإقليمية المتوازنة

تعتمد السياسة المالية على خطط تهدف إلى توزيع التنمية بشكل عادل بين أقاليم الدولة، بما يضمن التنافسية بين المدن ويحد من التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية داخل البلد الواحد.

5. الحد من عجز ميزان المدفوعات

تساعد السياسة المالية في تقليل العجز في ميزان المدفوعات التجاري عبر سياسات مالية تُعزز من الصادرات وتُقلل الاعتماد على الواردات، ما يسهم في دعم استقرار الاقتصاد الوطني.

تمثل السياسة المالية حجر الأساس في إدارة الاقتصادات الحديثة، حيث تسهم في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاستقرار المالي والاجتماعي، وبينما تساعد السياسات التوسعية والانكماشية في مواجهة تقلبات الاقتصاد، يبقى نجاح هذه الأدوات رهينًا بقدرة الحكومات على توظيفها بمرونة وحكمة لتحقيق تنمية مستدامة تخدم مختلف شرائح المجتمع.

أخبار ذات صلة