الميتافيرس

 

منذ عام 2010، بدأ مصطلح “الواقع الافتراضي” يشقُّ طريقه إلى الساحة التقنية، ومع مرور الوقت أصبح أكثر تداولًا، وصولًا إلى عام 2021، حين أعلنت شركة “ميتا” (فيسبوك سابقًا) عن رؤيتها الجديدة لعالم رقمي ثلاثي الأبعاد يُعرف بـ الميتافيرس، لكن ما هو هذا العالم الافتراضي؟ وكيف يعمل؟ وما الذي يجعله محط أنظار العالم الرقمي والاقتصادي على حد سواء؟

مفهوم الميتافيرس

الميتافيرس هو عالم رقمي موازٍ لعالمنا الواقعي، يمكننا الدخول إليه والتفاعل داخله باستخدام “أفاتار” يمثلنا، وذلك عبر تقنيات الواقع الافتراضي (VR) أو الواقع المعزز (AR)، وعلى الرغم من أن العديد من الألعاب الرقمية تقدّم عوالم افتراضية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تدخل ضمن إطار الميتافيرس؛ إذ يُشترط أن يكون الوصول إلى هذه العوالم الافتراضية من خلال تقنيات الواقع الممتد حتى تُصنّف ضمنها.

بالتالي، فإنَّ مفهوم الميتافيرس يتجاوز حدود الألعاب الافتراضية، ليغطي جميع جوانب الحياة اليومية، من العمل والتعليم والتسوّق، إلى الترفيه والسفر والاجتماعات وحتى إنشاء اقتصاد رقمي متكامل داخل بيئة ثلاثية الأبعاد.

ولا يقتصر التفاعل في هذا العالم على التواصل مع الآخرين، بل يشمل أيضًا القدرة على بناء بيئات افتراضية جديدة عبر أدوات وتقنيات متطورة، تجعل التجربة الرقمية أقرب ما تكون إلى الواقع، بل وقد تتفوق عليه من حيث الإمكانيات والانفتاح والمرونة.

كيفية الدخول إلى عالم الميتافيرس؟

للدخول إلى عالم الميتافيرس، يحتاج المستخدم إلى مجموعة من الأجهزة والبرامج المتخصصة، مثل:

  • أجهزة مخصصة: نظارات الواقع الافتراضي، شاشات ثلاثية الأبعاد، قفازات ذكية، بالإضافة إلى الهواتف وأجهزة الكمبيوتر.
  • البرامج والمنصات: يجب الانضمام إلى إحدى منصات الميتافيرس التي توفرها الشركات التكنولوجية، لإنشاء صورة رمزية (أفاتار) والبدء في استكشاف البيئات الافتراضية المختلفة.

من خلال تقنيات الميتافيرس، يمكنك التنقّل بحرية بين مختلف البيئات الافتراضية، سواء لزيارة غرفة ألعاب، أو حضور حفل، أو التجول في الشوارع والمدن، أو دخول المتاحف، أو لقاء الأصدقاء من مختلف أنحاء العالم.

ولا تقتصر التجربة على التفاعل الاجتماعي، بل تمتد لتشمل تجربة تسوّق متطورة قد تتفوق في بعض جوانبها على التسوق التقليدي؛ فعلى سبيل المثال، يمكنك تجربة الملابس على “أفاتارك” الرقمي الذي يحاكي أبعاد جسدك في الواقع بدقة، ما يتيح لك تقييم القياس والشكل دون الحاجة لمغادرة منزلك.

وبالمثل، يمكنك التجوّل افتراضيًا داخل المولات، واختيار المنتجات، وملء سلة مشترياتك بطريقة مرئية وسريعة، ليتم لاحقًا توصيل تلك العناصر فعليًا إلى باب منزلك، في دمج فعّال بين العالمين المادي والرقمي.

تعرّف أيضًا إلى مفهوم التجارة الإلكترونية وأنواعها بحسب طبيعة الأطراف

من يتحكم في الميتافيرس؟

رغم الاهتمام المتزايد بعالم الميتافيرس، لا تزال هناك العديد من التساؤلات التي يصعب الإجابة عنها بدقة، نظرًا لحداثة التقنية وتطورها المستمر، وفي محاولة لتبديد بعض هذا الغموض طرحت شركة “ميتا” رؤيتها بشأن هذا العالم الرقمي، مشيرة إلى التزامها بتوفير بيئة آمنة للمستخدمين، من خلال حماية الهوية الرمزية ومنع التعدي عليها.

ومع ذلك، لا تزال آليات إدارة الميتافيرس وتنظيمه غير واضحة، خاصة فيما يتعلق بحوكمة المنصات، وضمان الخصوصية، وحماية البيانات الشخصية في ظل بنية مفتوحة ومعقدة. وتزداد المخاوف عندما نضع في الاعتبار تجارب سابقة مع وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أثارت جدلًا واسعًا بسبب آثارها السلبية، سواء على الصحة النفسية –خصوصًا لدى الأطفال– أو على مستوى انتشار المعلومات المضللة، كما حدث في أزمة اللقاحات.

وفي هذا السياق، لا يبدو مستبعدًا أن يؤدي توسع الميتافيرس إلى فتح ملفات جديدة تتعلق بالأمان الرقمي، مما قد يثير قلق المستخدمين والجهات التنظيمية حول العالم.

هل استخدام الميتافيرس آمن؟

مع ظهور أي تقنية جديدة، تُطرح تساؤلات مشروعة حول مستوى الأمان والموثوقية، وفي عالم مفتوح كالذي تقدمه التكنولوجيا الحديثة تزداد الحاجة إلى فحص هذه التساؤلات بجدية، وينطبق ذلك تمامًا على عالم الميتافيرس، الذي يثير عددًا من المخاوف لدى المستخدمين، أبرزها:

1. الخصوصية

رغم أن تقنية البلوك تشين (Blockchain) طُوّرت لتوفير وسيلة أكثر أمانًا وخصوصية لتبادل البيانات، إلا أنها ليست بمنأى عن التحديات؛ فكل تقنية، مهما بلغت من تطور، تحمل في طياتها بعض الثغرات. كما أن التشريعات المتعلقة بحقوق الخصوصية الرقمية ما زالت في حالة تغير مستمر، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية معقّدة حول مشروعية استخدام البيانات داخل بيئة الميتافيرس، وحول مدى قدرة الأنظمة الحالية على حماية هوية المستخدمين وبياناتهم الحساسة.

2. إمكانية الوصول

عوالم الميتافيرس ليست متاحة للجميع، إذ يتطلب الانخراط فيها توفر أجهزة متقدمة وبرامج متخصصة ومعرفة تقنية لا يمتلكها الكثيرون، ونظرًا للتكلفة المرتفعة لهذه المتطلبات فإنّ الوصول إلى الميتافيرس يشكل تحديًا اقتصاديًا حقيقيًا، خاصة في الدول ذات البنية التحتية الضعيفة أو المحدودة من حيث قدرات تخزين البيانات وسرعة المعالجة.

3. الصحة الجسدية والعقلية

تثير تقنيات الواقع الافتراضي تساؤلات جدية حول تأثيرها على صحة الإنسان جسديًا ونفسيًا؛ فالاستخدام المطوّل لنظارات الواقع الافتراضي قد يؤدي إلى أعراض صحية مثل الصداع، والدوار، وآلام عضلية، ومشاكل في الرؤية. كما توجد مخاطر مباشرة كالسقوط أو التعثر أثناء التفاعل مع البيئات الافتراضية، فضلًا عن آثار محتملة على الدماغ لم تُدرَس بشكل كافٍ حتى الآن.

مستقبل الميتافيرس وما يقدمه للبشرية

يمثّل الميتافيرس اليوم أحد أبرز المحركات في الاقتصاد الرقمي العالمي، وقد أثبت حضوره القوي في مجالات الترفيه، والألعاب، والفعاليات الافتراضية، وعالم الموضة، إلا أن تطلعات الخبراء تتجاوز هذه الجوانب، إذ يرون فيه أداة يمكن تسخيرها لخدمة البشرية في مجالات أكثر عمقًا واستدامة.

ويعد قطاع التعليم من بين أبرز الاستخدامات المستقبلية التي تحظى باهتمام واسع؛ حيث يتيح الميتافيرس بيئات تعليمية افتراضية تفاعلية، تمكّن الطلاب من خوض تجارب محاكاة واقعية، وحضور المحاضرات عن بُعد بطريقة غامرة وشاملة، ما قد يُحدث تحولًا جذريًا في أنظمة التعليم التقليدية حول العالم.

هل يمكنك الاستثمار في الميتافيرس؟

تشير التقديرات إلى أنَّ قيمة سوق الميتافيرس مرشحة للتضاعف عدة مرات خلال العقدين المقبلين، ما يجعله أحد أبرز مجالات الاستثمار الواعدة في الاقتصاد الرقمي الحديث. وتتنوّع فرص الاستثمار في هذا المجال، بحيث يمكن للمستثمرين بناء محافظ استثمارية متنوعة تغطي البنية الكاملة لعالم الميتافيرس، بما يشمل:

  • الأجهزة الغامرة (مثل نظارات الواقع الافتراضي والواقع المعزز).
  • برامج الإنشاء ثلاثية الأبعاد.
  • المنصات التفاعلية والتواصلية.
  • البنية التحتية الرقمية (الاتصال، مراكز البيانات، معالجة البيانات).
  • أشباه الموصلات والحوسبة عالية الأداء.
  • حلول الأمان الرقمي وحماية البيانات.

عملات الميتافيرس الرقمية

ظهرت عملات رقمية متخصصة بالميتافيرس، لتمثل مدخلًا جديدًا للانخراط في الاقتصاد الافتراضي الجديد، مع ضرورة تقييم المخاطر والتوجهات التقنية والتنظيمية المرتبطة به بشكل دقيق ومدروس، ومن هذه العملات:

  • THETA (ثيتا): تركز على دعم البث المرئي اللامركزي ضمن البيئات الرقمية.
  • Arweave (آرويف): تُستخدم لحفظ وتخزين البيانات بشكل دائم وآمن داخل الشبكات اللامركزية.

لم يعد الميتافيرس مجرّد ظاهرة رقمية عابرة أو تجربة ترفيهية، بل تحوّل إلى مفهوم يعيد تشكيل أسس الحياة والتفاعل داخل الاقتصاد الرقمي العالمي، فهو يمثل نقلة نوعية في الطريقة التي يتواصل بها الأفراد، وتعمل من خلالها الشركات، وتتطور عبرها الاقتصادات. وإذا ما تم توظيفه بذكاء ووفق رؤى استراتيجية، فقد يشكّل الميتافيرس بوابة نحو مستقبل رقمي أكثر تكاملًا وتفاعلية وشمولًا، تتقاطع فيه التكنولوجيا مع الاقتصاد والمعرفة والحياة اليومية.

أخبار ذات صلة